مجهود اليوم، هو محاولة لفهم عجز اليمن المذهل عن التعامل مع ضربات أمريكا الهائلة للحوثيين.
الحوثي مازال يسيطر
يتعرض الحوثيون لضربات قاصمة من القوة الهجومية الجوية الهائلة للدولة الأعظم في العالم لأكثر من شهر ولكنهم مازالوا يسيطرون- بدرجة مدهشة- على عموم الناس الذين يكرهونهم، كما لو أن كل هذا القصف لا يعني شيئا.
موضوعنا اليوم، ليس هو بحث سر تماسك الحوثيين.
ولكن سر هشاشة خصوم الحوثيين.
الحوثية: خلطة مراكز ثقل
لكن باختصار، الحوثية هي مزيج من الأسرة الملكية الحاكمة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقمع الباسيج الإيراني، والميليشيا الطائفية المشابهة لحزب الله اللبناني أيام حسن نصر الله، والقدرة على تسخير الأعراف القبلية الشمالية اليمنية.
عوامل كل هذه الخلطة مجتمعة، توفر مركز ثقل للحوثيين.
هذا موضوع يحتاج لمساحة طويلة، ولكن يمكن القول بأن مجموع كل هذا قد زود الحوثيين بالقدرة على البقاء تحت ضربات ترامب لأكثر من شهر.
ولا أحد- حتى الآن- يتوقع أن يستمر الحوثيون في السيطرة على المساكين الذين تحت قبضتهم في نهاية هذه الضربات الأمريكية.
حرمانهم من مساعدات المنظمات الدولية والمساعدات الإيرانية، يكفي لتكسير مفاصل وعظام وهيكل مركز الثقل الحوثي.
أولا: خصوم الحوثيين
١- خصوم الحوثي في اليمن، غائبون
الجيش الوطني، الذي من المفروض أن يكون هو المتصدي الأول للحوثيين: … لا حس ولا حركة.
التذمر الشعبي الصارخ ضد الحوثي: … لا حس ولا حركة.
التذمر القبلي والمناطقي ضد الحوثي:… لا حس ولا حركة.
التذمر الحزبي ضد الحوثي: … لا حس ولا حركة.
التشكيلات العسكرية والقادة العظام المدججون بالسلاح- في عدن، والمخاء، والعمالقة السلفية، والمجلس الانتقالي، ودرع الوطن: … لا حس ولا حركة.
وتشكيلات النخب العسكرية والأحزمة الأمنية والمسميات الغامضة الأخرى: … لا حس ولا حركة.
أعضاء مجلس الرئاسة الثمانية: … لا حس ولا حركة.
رئاسة مجلس الرئاسة: … لا حس ولا حركة.
٢- خصوم الحوثي في المنطقة، غائبون
الإمارات: … لا حس ولا حركة.
السعودية: … لا حس ولا حركة.
ثانيا: تأملات في مركز الثقل
القشة، في مهب الريح تتطاير بكل اتجاه لأنها بدون مركز ثقل.
القارب الراسي في الميناء بدون حبال أو سلاسل تربطه أو هِلب يرسخه في مكانه، تقذف به الأمواج في كل اتجاه لأنه بدون مركز ثقل.
سوف نتأمل في مفهوم مركز الثقل في الدول العربية التي تعرضت لاضطرابات.
هناك دول عربية، معها مركز ثقل، واستطاعت أن تنجو.
ودول أخرى بدون مركز ثقل فتطايرت في مهب الرياح أو تقاذفتها الأمواج.
١- الأسر الحاكمة
في دول الخليج والدول الملكية العربية، الأسر المالكة هي مركز الثقل.
مثلا: الكويت:
يمكن التمعن في دور أسرة الصباح الحاكمة في الكويت، بعد أن تم سحق الدولة الكويتية تماما على يد الجيش العراقى والرئيس صدام حسين.
أسرة الصباح، كانت هي مركز الثقل الذي اجتمع حوله الكويتيون، والثروة السيادية الكويتية، والأسر الحاكمة الخليجية، ومارجريت ثاتشر، وجورج بوش، وقارة أوروبا تحت قيادة الجيش الأمريكي لطرد العراقيين من الكويت.
٢- الجيش في الجمهوريات التي معها دولة
هذه بلدان، معها مركز ثقل.
الجيش، هو جيش الدولة وليس الفئات أو الأحزاب أو المناطق أو الطوائف.
في الدول الجمهورية المستقرة- مصر مثلا- الجيش هو مركز الثقل، ولأنه جيش وطني من كل أنحاء مصر استطاعت مصر أن تنجو.
٣- الجيش في الجمهوريات الجملوكية
الجملوكيات، لا يوجد معها حبال أو سلاسل ولا هلب ولا مركز ثقل.
هذه بلدان، لا يوجد معها مركز ثقل، يحميها إذا تعرضت لعواصف الفشل الاقتصادي، أو الاحتجاجات والاعتصامات الداخلية، أو الحروب الأهلية، أو الغزو الخارجي.
الجملوكيات، دعوة للضياع والتطاير والغرق.
في الدول الجمهورية المضطربة- كلها تقريبا- وقعت في فخ إغراء الجيوش العائلية أو المناطقية أو الطائفية التي على رأسها "أسرة جملوكية"، وهي كلها بدون مركز ثقل.
الأسرة الجملوكية:
هي الأسرة التي ليست جمهورية ولا ملكية.
رب العائلة: يحكم لعشرات السنين، ويعدل الدستور لتمديد مدة رئاسته، ويورث الحكم لعياله، ويضع فرق الجيش والمخابرات والأمن القومي والأمن العام تحت أفراد عائلته أو طائفته أو قبيلته أو منطقته.
عائلات الرئيس الأسد في سوريا، والرئيس صدام حسين في العراق، والرئيس القذافي في ليبيا، والرئيس صالح في اليمن؛ هي الأمثلة المتكاملة الأركان للجملوكيات.
ثالثا: أمريكا واليمن
أمريكا، صاحبة شأن كبير في كل اضطرابات اليمن:
١- أوباما
هو، الذي أجبر الرئيس صالح على التنحي.
هو، السبب في إنجاز مخرجات الحوار الوطني.
هو، الذي انسحب بسياسة Asia Pivot "التحول إلى آسيا" وخلق الفراغ لانقلاب (الحوثي-صالح) ٢١ سبتمبر ٢٠١٤.
هو، الذي شارك في حرب اليمن في عاصفة الحزم مع السعودية في ٢٦ مارس ٢٠١٥
٢- بايدن
هو، الذي شرعن للحركة الحوثية وحولها من حركة تمرد إلى طرف نزاع.
هو، الذي جمد حرب اليمن بدون حل مشكلة اليمن.
هو، الذي اخترع المجلس الرئاسي القيادي اليمني بمشاركة السعودية والإمارات.
٣- ترامب
هو، الذي يقصف الحوثيين الآن بآلاف الأطنان من القنابل.
هو، الذي على الأرجح سوف يرتبط إسمه بالقضاء على الحوثيين.
ثالثا: ترامب يكشف ما بعد الجملوكية اليمنية
ترامب، يضرب الحوثيين بضراوة ولكن لا يوجد من يفكر من استغلال الفرصة.
هذا هو ما نراه الآن بعد أكثر من شهر على الأقل.
ترامب، لم يكشف فقط انعدام مركز الثقل عند خصوم الشرعية في أوساط اليمنيين،
ولا انعدام مركز الثقل في أوساط الدول الخليجية المنغمسة بالشؤون اليمنية… ولكنه كشف أيضا عورات الجملوكيات حتى بعد وقت طويل من زوالها من الوجود.
الجملوكيات، تحرم أوطانها من بناء مراكز الثقل حتى بعد زوالها.
ترامب، لا يهتم باليمن، ولا بالشعب اليمني، ولا بالشرعية، ولا بأهداف الإمارات أو السعودية داخل اليمن.
أهداف ترامب، ليست موضوعنا في هذه المقالة.
موضوعنا، هو الدهشة من انعدام أي تحرك للاستفادة من الانتكاسات التي يتعرض لها الحوثي.
لا يوجد عند خصوم الحوثيين في اليمن مركز ثقل.
لو كان هناك مركز ثقل، لكانت هناك جاهزية.
لو كان هناك مركز ثقل، لكانت هناك استعدادات وخطط وتدريبات ومناورات ولوجستيات وذخائر وسلاح وقيادة واحدة وغرفة عمليات مشتركة واشتعال لكل الجبهات في نفس الوقت.
رابعا: حتى بعد التخلص من الحوثيين
ضربات ترامب، سوف تقضي على "الخلطة الحوثية"، وقد كشفت انعدام مركز الثقل في "ما بعد الجملوكية"، وهذا يفتح المجال لأن نتأمل في ما تحتاجه اليمن للحصول على مركز ثقل لتتمكن من الاستقرار ولتحمي نفسها من الاضطرابات والفتن.
حتى بعد التخلص من الحوثيين، سوف تستمر قلاقل واضطرابات اليمن لأننا لا نرى احتمال تكوين مركز ثقل.
اليمن، لن تستقر مع وجود التشكيلات العسكرية وأجندات قادتها المتباينة.
اليمن، لن تستقر بانعدام القيادة الواحدة التي تقود العملية السياسية الانتقالية.
اليمن، لن تستقر تحت أجندات دول الخليج المختلفة في اليمن.
اليمن، لن تستقر إذا انفصلت وتفككت وتشرذمت.
اليمن، لن تستقر إذا حاولت نسخ نظام أسرة حاكمة ملكية ولا تحت أسرة جملوكية، ولا تحت حكم عسكري، ولا تحت حكم خلطة حوثية.
مشكلة اليمن
١- أمراض اليمن، معروفة: العصبيات السلالية والطائفية والقبلية والمناطقية.
٢- الجملوكية، لا تناسب اليمن.
٣- العملية السياسية الانتقالية، كان من الممكن أن تنقذ اليمن.
٤- دول الخليج، قد اثبتت أنها تستطيع الالتفاف حول العملية السياسية الانتقالية.
٥- تدخلات أمريكا الجامحة التي تقلب الدنيا رأسا على عقب بدون حل أي مشكلة من مشاكل اليمن.
٦- استحالة أن يقوم اليمنيون من ذات أنفسهم بإقامة العملية السياسية الانتقالية.
جلد الذات
الانغماس في جلد الذات، ولعن القيادات اليمنية والمؤامرات الخارجية،
… أو الحلم بظهور القائد المنتظر، هو غير مجدي وإهدار للطاقة.
استقرار اليمن، يحتاج:
١- اعتماد المرجعيات الثلاث
٢- عملية سياسية انتقالية
٣- رعاية الخليج للعملية السياسية الانتقالية
٤- ثبات أمريكا على مسألة دعم العملية السياسية الانتقالية بدلا من جموح تدخلاتها التي تبرز بقوة كل عدة سنين.
خلق مركز الثقل اليمني سوف يتحقق فقط إذا ارتكز على:
١-المساواة والعدالة
٢- سيادة القانون والدستور
٣- جيش وطني واحد، لا يعمل بالسياسة ولكن يحمي الدستور والوحدة اليمنية، ويحمي الحدود، ويطمئن الجيران.
٤- منع المحاصصة والمناصفة
٥- الانتقال السلمي للسلطة
٦- انعدام التدخلات الخارجية