;
سيف محمد الحاضري
سيف محمد الحاضري

"الجوع والرصاص والخذلان: ثلاثية تحاصر اليمني في وطنه" 765

2025-06-26 02:22:18

في الداخل يعيش المواطن معارك عنيفة من أجل البقاء في حياته اليومية. لم يعد ثمة منطق للحديث عن وجود حكومة أو مجلس قيادة، فلا يوجد أي ارتباط بين وجود مجلس القيادة ووجود الحكومة بحياة المواطن.

shape3

يعيش المواطن كل أشكال وصنوف العذابات، ويواجه كل أدوات الموت بكل أشكالها، من الموت بالألغام إلى الموت عبر فوهات مدافع المليشيات، إلى الموت بالرصاص الغادر أو الطائش أو حتى الرصاصة الصديقة. فإن التفت المواطن يمينًا، وجد نفسه في مواجهة الموت قهرًا، والموت جوعًا، والموت انتحارًا، والموت كمَدًا على أطفال يصرخون من حوله بصراخ الجوع والمرض، وصراخ فقدان الأب والأم والبيت الدافئ.

وإن التفت يسارًا، وجد نفسه في مواجهة الموت الناتج عن انقطاع الخدمات، الموت جراء ارتفاع الحرارة في عز الصيف والكهرباء منقطعة، والموت عطشًا جراء انقطاع المياه، وإن وُجدت فهي لا تصلح للشرب. وإن تجاوز ذلك، وجد نفسه في مواجهة قطاع الرحمة في مستشفيات باتت في واقع الأمر مسالخ بشرية، تسلخ منك أموالك وكل مدخراتك، وفوق ذلك تنزع روحك بسبب خطأ طبي أو أدوية فاسدة، أو نتيجة وقوعك في يد منتحل صفة طبيب لا يمتلك من الطب إلا لافتة اسمه.

وإذا أجارك الله من الوقوع في شرك خداع المستشفيات، وجد المواطن نفسه في مواجهة كل أصناف المنتجات الفاسدة والمنتهية التي باتت تغزو أسواق اليمن. يشتري المواطن علبة فول أو علبة زبادي أو قطعة جبن، وهو متردد، خوفًا من أن تتحول تلك العلبة إلى أداة تسمم ونافذة كارثة تعصف بأسرته.

كل شيء أصبح في حياة المواطن اليمني مهددًا للحياة. حتى إذا قرر الرحيل من محافظة إلى أخرى، فالموت القادم من فوهات بنادق قطاع الطرق يتربص به. وحين يقرر الاستقرار تحت قطعة قماش تُسمى خيمة، لا تقي أسرته حر الشمس، ولا تقيه برد الشتاء، ولا تحميه من هطول الأمطار وعواصف الرياح.

والمواطن في خضم هذه المعارك، متكئًا للصمود أمام تلك الأعاصير الغادرة بعد الله، على مرتبه الشهري أو بضعة مدخرات، يجد نفسه في مواجهة هوامير الفساد ولصوص الرواتب، ليجد نفسه بلا راتب لشهور عدّة، بينما هوامير الفساد يتنعمون بأموال الشعب في عواصم دول التحالف، ما بين الرياض والقاهرة وأبو ظبي ومسقط والدوحة وإسطنبول.

هذا الواقع المرير جعل المواطن يعيش واقعًا يتجاوز حتى حياة الغابة التي تحكمها قوانين طبيعية تضمن استمرار الحياة. أما في اليمن، فقد تجاوزت حياة الغابة إلى أبشع من ذلك بكثير. لا يمكن أن تجد في الغابة حيوانًا يغدر بقطيعه، ولا قائد قطيع يبيع قطيعه، لكنك في اليمن ستجد كل شيء يحدث. ستجد القائد يخدع شعبه، وزعيم الحزب يخون حزبه، ورفقاء النضال يقتاتون على لحم بعضهم البعض سرًّا.

في الغابة، ستجد الغراب—أبشع أنواع الطيور—أشدها حرصًا على أعراض بعضها البعض. لن تجد غرابًا يهتك عرض غراب آخر، وإذا حدث فسيُحاكم. أما في غابة اليمن، فكل يوم تُروى حكايات لا حصر لها، من المهرة حتى صعدة، عن انتهاكات للحرمات والأعراض، باسم القانون وتحت مظلة الشرعية.

هل سمعتم أن قائد الشرعية أقام العدالة والقصاص على من انتهكوا حرمات المواطن وأعراضه؟ لن تجد ذلك في الواقع، بل حتى في العالم الافتراضي.

حين تسمع عن انعقاد اجتماع لصاحب الفخامة أو القيادة، بما يسمى اللجنة الأمنية العليا لليمن، وحين تدقق في هوية الأعضاء المجتمعين، ستجد أن أغلبهم على رأس قوائم مرتكبي أبشع الجرائم والانتهاكات في حق المواطن والوطن. بعضهم غارق في دماء الأبرياء من أخمص قدمه حتى رأسه.

نحن في زمن اللا أخلاق، زمن الوجوه المخادعة، إنه زمن الأقنعة الزائفة.

وفي نهاية هذا النفق الطويل من الألم، وبعد كل هذه العذابات اليومية التي يعانيها المواطن اليمني—من الجوع إلى المرض، من انقطاع الخدمات إلى فقدان الأمان، من الانتهاك إلى الإذلال—تنهض أسئلة مُرّة كمرارة الواقع نفسه: ما الذي تبقّى لمجلس القيادة من شرعية؟ ما الذي يمنح الحكومة ذرة مبرر للبقاء؟ بأي منطق سياسي أو أخلاقي أو إنساني يستمر هذا الكيان الحاكم في التربع على كاهل وطن يموت شعبه بصمت؟ هل أصبح وجودهم واجهة شكلية تغطي غياب الدولة، أم غطاء لتمديد الخراب؟

هذه البلاد لم تعد تتسع للمخادعين، ولا لصنّاع الوجوه الزائفة. البلاد تنزف... وتئن... وتحتضر.

وخاتمة القول، إن استمرار هؤلاء في صدارة المشهد ليس سوى إهانة متكررة لكرامة شعبٍ عظيم، سُرقت أحلامه، واغتُصبت حقوقه، وأُحرقت سنواته في انتظار سراب اسمه "الدولة". فإما أن تكون الدولة دولة، تحمي وتعدل وتبني وتواسي، أو فلتسقط كل الأوهام، وليرحل كل من خذلوا هذا الشعب الطيب، الذين باتوا عبئًا على جراحه لا جسرًا لعبوره.

لقد فاض الكيل، وللصبر حدود، ولكرامة الشعوب لعنة لا تخطئ موعدها.

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

سمير عطا الله

2026-05-07 03:41:24

من ديار السعادة

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد