إن كان هناك بصيص أمل في أن نستعيد الدولة والهوية، التي تفككت بسبب قوى الصراع، من مناطق وسلالات وقبائل ورايات (إعلام)، حتى جعلت من الوطن خرقة بالية يتنازعها الجميع، فجريمة اعتقال الشيخ الكازمي إمام وخطيب مسجد ساحة المنصورة، فجر يوم الخميس، بطريقة وأسلوب المافيا (العصابات) لا توحي أن من أمر باقتحام المسجد في وقت الصلاة الفجر رجل دولة، ولا القوة المقتحمة تمثل أمن الدولة.
الحقيقة أن الدولة اغتيلت بتشكيلات عسكرية لا تمثلها، ولا تواليها، بل تمثل من يدفع لها ومن شكلها بتشكيل مناطقي قبلي ومذهبي، أي تشكيل عسكر القبيلة والمذهب، وعسكرة القبيلة يأتي في إطار ضرب مفهوم الدولة المدنية التي ينشدها العامة من الناس، فالقبيلة مثخنة بالثأر، والمذهب مبتلى بالاختلاف، وعسكرتهما لغرض ترسيخ حالة الثأر الاجتماعي والسياسي الذي أتخذ من القبيلة وسيلة حسم معاركه القديمة مع الآخر، وهذا ما شهدناه في التصفيات الجسدية منذ الاستقلال حتى حرب 94م ، وأتت حرب 2015م لترسخ الصراع العقائدي صراع المذاهب.
كل هذا من أجل اغتيال الدولة، بشواهد أن الشرعية التي كانت تحكم برئيس منتخب، صارت اليوم تحكم بثمانية رؤوس، تمثل القوى العسكرية المسيطرة على الأراضي، وهي الأرضي الذي يتم إعدادها لتقسيم اليمن لكنتونات ضعيفة وهشة، بدون سلاح يحمي سيادتها، وبدون قرار وطني يعزز من مكانتها بين الدول، والهدف كنتونات مغتصبة، تديرها قوى مرتهنة للمغتصب، والهدف هي الأرض البكر وما تحمله في باطنها من ثروة.
يمكن القول أن الحرب مع الحوثي انتهت، لتتحول لحرب في مواجهة فكرة الدولة إينما كانت، وفكرة وحدة الصف ووحدة الأمة، هذه الحرب لا تحتاج لغير إعلام يروج للمزيد من الصراع المناطقي والمذهبي، ليحول البلد لمناطق وهويات متناحرة، وهذا ما يحتاج لناشطين يعرفون من أين تؤكل كتف الوطن، والنتيجة انقسام مجتمعي حاد، وصراع بيني مدمر، أنتج لنا لوبي من اللصوص والمنتفعين والفاسدين، ومجتمع مسحوق وناس محبطة، ومجتمع مدني مروّض، يتلقى الصفعة تلو الصفعة دون أن يوحد كلمته في مواجهة ما يحدث، ويشكل نخبة تؤمن بالوطن وحدته وسيادته، حتى صار الوطن يباع قطعة قطعه في سوق العمالة والارتزاق.
بدأ السقوط عندما سقطت راية الوطن، وكلا بدأ يبحث في الماضي عن بقايا راية منتهية الصلاحية ، وعندما سقط الوعي الوطني ليستبدل بالوعي المناطقي، وثقافة الكراهية والعنصرية، لتعرض الأرض للبيع (خذوا الجنوب تبعكم ونبصم لكم بالعشر)، وعندما تم إقصاء كل مسؤول وطني رفض الانخراط في البيعة، ورفع راية السيادة، واستبدل بمسؤول تمرد على الدولة، وتماهى مع صفقة بيع الوطن، من تسليم الجزر وتعطيل المرتكزات الاقتصادية، وتشكيل تشكيلات عسكرية تتقاسم الأرض وإيرادات الدولة وتفرض الجبايات والإتاوات، ولا تعترف بمؤسسات الدولة ومصب إيراداتها البنك المركزي، حتى صار كل من تماهى مع المؤامرة مسؤولا تنفيذيا وسياسيا، يعيش وأسرته خارج الوطن في نعيم الفساد والمال الحرام، والناس في الداخل تصارع الفقر والجوع والمرض، تصارع الحمى والظمأ.
عندما تحول السلاح من رمز لتحرير الأرض، لأداة لاحتقار الدولة، وحماية الأطماع والفاسدين والمرتزقة، عندما أصبح بعض رجال الأمن مجرد كلب حراسة لكبار الناهبين وبياعي الأرض والعرض.
بعد أن ضاقت الحياة بالناس وبلغت القلوب الحناجر، كان لابد لهم أن يتظاهروا رافضين لسياسة التجويع، والفشل المؤسسي وغياب الخدمات الضرورية، والمطالبة بحقوقهم المكفولة، وكان المتوقع أن تجد تلك التظاهرات صدى، والذي حدث أنها قمعت، وتصدى لها رجال الأمن والتشكيلات التي يفترض أنها في خدمة الشعب، مما يؤكد أنها تشكيلات لا وطنية، وجدت من أجل أن تحمي الأطماع وأدوات الارتزاق والتبعية، تحمي الفساد والناهبين للثروة وبياعي الأرض، وتضرب بيد من حديد من يصرخ وجعا مما يحدث، وتدوس على الفقراء والجياع.
مع التأكيد أن إرادة الجماهير لا تقهر، وأن بدأت التظاهرات صغيرة لكنها مؤثرة ستكبر وتكبر حتى تصير طوفان جارف، سيجرف كل هذا العبث وأدواته المصطنعة، طوفان لن يستطيع ايقافه لا سلاح ولا طقم ولا مدرعة عسكرية، ولا ونان وهراوة، كلها ستسقط أمام غضب الجماهير، كما قال أبو قاسم الشابي: (إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر.. ولا بُدَّ للَّيْلِ أنْ ينجلي • ولا بُدَّ للقيدِ أن يَنْكَسِرْ).
فلن تنفع كل تلك المظاهر المسلحة والاقتحامات للبيوت والمساجد والأسواق، بل ستكون وأبلا على أصحابها، وسيكون النظام والقانون هو السائد، وكلا سيتحسس رقبته حينما يأتي الانصاف وإن غدا لنظارة لقريب.