باتت المتغيرات الإقليمية والدولية تتجاوز اليمن، وتتعامل مع الدولة اليمنية المعترف بها دوليًا ككيانات سياسية وعسكرية متشاكسة لا تمتلك قرارًا موحدًا، ولا رؤية مشتركة لمستقبل البلاد. سفراء دول كبرى يعبّرون، في لقاءاتهم مع رئيس وأعضاء مجلس القيادة، عن قلقهم من غياب وحدة القرار، ويدعون بوضوح إلى ضرورة توحيد الكيانات العسكرية، كأولوية لمواجهة المشروع الإيراني ومليشياته الحوثية.
أحد السفراء الغربيين قال، في لقاء خاص مع سياسيين يمنيين:
"التقينا أعضاءً في مجلس القيادة، وكان واضحًا أن كل طرف يحمل مشروعًا منفصلًا. تحدثنا على انفراد وحدثناهم عن ضرورة الاستفادة من الضربات الأمريكية لتغيير المعادلة العسكرية، أحدهم ذهب يحدثنا عن أولوية الانفصال وخروج الجيش الوطني من حضرموت. تحدثنا مع آخر ففتح معنا ملف التغييرات العسكرية واهمية تغيير الجنرال صغير بن عزيز. أما الثالث، فكان شغله الشاغل الحديث عن خلافاته مع رشاد العليمي. لم نجد من بين الجميع إلا سلطان العرادة، الذي تحدث بمنطق الدولة، وركز على وحدة الصف والعمل مع المجتمع الدولي لهزيمة النفوذ الإيراني."
هذه الصورة البائسة لمجلس القيادة دفعت المجتمع الدولي إلى الالتفاف على الشرعية، والذهاب لدعم ما يُعرف بـ"خارطة الطريق السعودية–الأممية"، باعتبارها محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. بل وصل الأمر، وفقًا للسفير ذاته، إلى تلقي المجتمع الدولي طلبات من أطراف سياسية لتحديد من سيخلف الحوثيين في صنعاء، محذرين من أن تسليم العاصمة للجيش الوطني الذي يقاتل الحوثيين هو "تمكين لحزب الإصلاح"، وهي رسالة واضحة تكشف من يعطّل معركة التحرير، ومن يخشى انتصارها.
لقد أصبح مجلس القيادة، رئيسًا وأعضاء، جزءًا من معضلة الانهيار الوطني، لا جزءًا من الحل. وغياب وحدة الرؤية والقرار لم يعد فقط عبئًا سياسيًا، بل بات خطرًا وجوديًا على ما تبقى من الدولة، في وقت تمر فيه البلاد بواحدة من أسوأ الكوارث الاقتصادية في تاريخها، مع انهيار غير مسبوق للعملة وغياب أي رؤية اقتصادية أو إصلاحية من الحكومة.
لا وطن مع مشاريع صغيرة
إن استمرار الانقسام داخل مجلس القيادة يكرّس فشل الشرعية، ويغلق الباب أمام أي دعم دولي حقيقي لمعركة استعادة الدولة. ولم يعد أمام أعضاء المجلس من خيار سوى التخلي عن مشاريعهم الفئوية والمناطقية والحزبية، والتمسك بالمشروع الوطني الجامع، الذي وحده يستطيع إنقاذ اليمن من حافة الانهيار.
في ظل الانهيار المتسارع للعملة الوطنية، وازدياد معاناة الشعب، فإن أي تأخير في اتخاذ قرار توحيد الجبهة السياسية والعسكرية لا يُعد مجرد خطأ سياسي، بل خيانة وطنية كاملة الأركان.
وإن لم يبادر مجلس القيادة إلى ذلك الآن، فإنهم سيُسجّلون في صفحات التاريخ لا كمن أنقذ اليمن، بل كمن سلّمه لقوى الخراب، وتقاعس عن إنقاذه في لحظة الحقيقة، .. وفي وقت أضاع الجميع كل فرص النجاة،