نعيش في اليمن مرحلة أشبه بالتيه التاريخي... ليس لأن الحرب طالت، ولا لأن الجوع استبدّ بأمعاء الصغار، بل لأننا نعيش فراغًا وجوديًا مرعبًا، وكأن هذا الوطن قد تم تفريغه من قيادته، من دولته، من صوته، ومن ضميره.
بعد أن تم استلاب القرار السيادي، تم استلاب الوجود ذاته.
أكثر من ثلاثين مليون إنسان يتخبطون في فراغٍ قاتلٍ لا يُحتمل... فراغ في القيادة، فراغ في الدولة، فراغ في كل شيء.
حتى الريال اليمني، لم يعد عملة، بل صار شظية تتساقط إلى قعر سحيق، بلا قاع... تهوي معه أحلام الناس وأعمارهم ومصائرهم.
نعيش فراغًا عميقًا في المسؤولية...
لا نجد أمامنا مسؤولًا نحاسبه، ولا رجل دولة نحفّزه، ولا جهة نعاتبها أو حتى نُسائلها أمام الله ثم الشعب ثم التاريخ.
كأنّ الشرعية كلها، بمؤسساتها ورجالها وقياداتها، قد ابتلعها انفجارٌ فراغيّ اجتثّ الضمائر، وأفرغ مقاعد الدولة من رجالها، وساحات السياسة من فرسانها.
ثلاث سنوات عجاف مضت، كأننا شعب بلا رأس... بلا قائد، بلا قيادة، بلا ملامح.
النساء يصرخن على أبواب الجوع، والأمهات تبكين على مستقبل أبنائهن من أبناء الشهداء...
الجرحى، الذين سقوا تراب الوطن من دمهم، تعفّنت جراحهم لا بسبب الحرب، بل لأن حكومتهم أدارت لهم ظهرها، وقيادتهم تخلّت عنهم كأنهم عار!
لا أحد يسمع صوت المظلوم، حين يُدهس القانون تحت أقدام النفوذ، وتمضي قوانين الغاب متبجّحة على أنقاض العدالة.
النازحون، الذين اقتُلعت خيامهم قبل أن تقتلعهم الحرب، لا يزالون يلهثون خلف صيف لاهب وشتاء قاتل وجوع لا يرحم.
أين أولئك الذين أقسموا يومًا أن يكونوا خُدّامًا لهذا الشعب؟ أين أذانهم حين تصرخ أمهات اليمن في صنعاء من عذابات الاحتلال الحوثي؟
وأين ضمائرهم حين أخواتنا وبناتنا في عدن يخرجن للساحات بوجع الحاجة:
"نريد كهرباء، نريد ماء، أوقفوا تدهور العملة... نريد فقط أن نعيش"!
تعز، مدينة الصمود، محاصرة منذ سنوات.
لا يصلها الماء، لا يصلها الدواء، لا تصلها حتى الكلمة الطيبة...
يحاصرها الحوثي من الخارج، وتحاصرها اللامسؤولية من الداخل!
اليمن اليوم أصبحت ساحة صراخ كبرى، من قمم الجبال إلى سفوح السهول... من الصحراء إلى المدن.
الكل يصرخ: المزارع، الجندي، الجريح، المرأة، الشيخ، الطفل، النازح، الشاب، الأرملة، الموظف، الطالب...
وكل الصرخات تنتهي في الفراغ ذاته.
نعم، نحن نعيش في وطنٍ تحول إلى غرفة فارغة إلا من الأنين...
وطن يُصفع كل يوم بسكوت سلطاته، بغياب قياداته، وباستقالة الجميع من واجباتهم الأخلاقية والوطنية.
هل رأيتم وطنًا بلا حاكم؟
هل رأيتم شعبًا بلا أحد يسمعه؟
ها هي اليمن تقول: "أنا المثال الحي".
أين أنتم أيها الذين أقسمتم على حماية الجمهورية؟
هل بقي في صدوركم بقية من حياة؟
إن لم توقظكم صرخات الجياع... فأنتم الموتى ونحن الأحياء.
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة اقتصادية ولا انهيار مؤقت للعملة، بل هو تفكك شامل لكيان الدولة، وضياع بوصلة النخبة وفراغ القيادة، وتآكل المنظومة التي يفترض أن تحمي الإنسان وتحفظ كرامته وتستجيب لأنينه. ما يجري في اليمن تجاوز حدود الإهمال، إنه فعل متعمد بالصمت، وجريمة مستمرة بالغياب والفراغ, وخيانة مكتملة الأركان بالسكوت.
من يظن أن ما يحدث مجرد مرحلة عابرة، لم يسمع بعد صرخة امرأة تبيع مدخراتها لإطعام أطفالها، ولا شاهد عجوزًا يمد يده تحت حر عدن، ولا رأى جنديًا على الجبهات يصارع الجوع بيد والسلاح بالأخرى، بينما مرتباته محجوزة في دهاليز حكومية معطوبة. لم ير نازحًا يُطرد من بينة لانه عاجز عن دفع الايجار واخر تقتلع العواصف خيمته ليجد عائلته تفترش الأرض وتلتحف السماء في مخيمات يقال عنها"مخيمات الإغاثة".
الشرعية لا تُقاس بعدد السفارات المؤيدة، بل بعدد الأرواح التي تنقذها، وعدد الأطفال الذين أنقذتهم من الموت جوعًا، وعدد الجرحى الذين عالجتهم، وعدد الشهداء الذين كرّمتهم، وعدد صرخات الناس التي سمعتها واستجابت لها.
وحدها القيادة التي تشعر بالناس، تحيا في قلوبهم ولو ماتت أجسادها، أما أولئك الذين يتلذذون بالفراغ ويتنعمون بالامتيازات فوق أنين الملايين، فإنهم ليسوا سوى فراغ آخر، يتجول فوق أطلال دولة.
فمن لهذا الشعب؟
من للصرخة التي لا تجد من يسمعها؟
من لأحلام اليمنيين التي تُسحق كل صباح بسعر صرف جديد وجرعة موت إضافية؟
من يقود هذا الوطن قبل أن تبتلعه خارطة الضياع نهائيًا؟خارطة العار في تاريخكم الذي بدأ بكلمات الخديعة وانتهى بفعل الخيانة.