;
توفيق ألحميدي
توفيق ألحميدي

غياب أو الفشل في بناء دولة في اليمن: المشكلة الحقيقي 607

2025-08-03 03:03:40

من السهل على كثيرين، بمجرد أن تطأ أقدامهم أرضا أوروبية أو بلادا أكثر تنظيما، أن ينهالوا بالشتائم على أوطانهم الأصلية، محتقرين شعوبهم وتاريخهم، كما لو أن تلك البلاد كانت لعنة ألقيت عليهم، والحقيقة أن أمثال هؤلاء يعانون من عقدة نقص، وخلال في التفكير، يمنعهم من إدراك أن المشكلة لا تكمن في الشعوب، بل في غياب أو الفشل في بناء وتأسيس الدولة — لا بوصفها كيانا جغرافيا أو سلطة قهرية، بل بوصفها منظومة عقلانية، مؤسساتية، قانونية، مدنية، ناتجة عن تدرج طويل في التفكير الفلسفي والسياسي.

الفرق بين بلد وآخر ليس لون التربة ولا حرارة المناخ، بل وجود الدولة بالمعنى القانوني والمؤسساتي والأخلاقي، والفرق بين الدول هو نوع النظام السياسي، وعمق جذوره القانونية، ومدى رسوخه في وعي الناس. أما الفرق بين الأنظمة السياسية، فيعود إلى الفلسفات الكبرى التي أسست لفكرة الدولة كعقد اجتماعي، لا كغنيمة سلطوية، فأوروبا المعاصرة، حديثة التقدم إلا نتاجا لقرون من التنظير الفلسفي، والمراجعة الفكرية، والصراع من أجل المعنى، قبل أن تكون نتاج مصانع وحداثة.

في اليمن، لا تكمن المشكلة في صحراء ولا في جهل مفترض، بل في فشل تاريخي مركب منذ ما بعد ثورات التحرر في الشمال والجنوب، حين لم تُبن دولة على أسس مؤسسية حقيقية، ولا على عراقة قانونية راسخة، بل تم اختزالها في شخص الحاكم، وفي جهاز أمني، وفي سرديات لا تصمد أمام الواقع.

ولعل ما يعمق الأزمة أكثر هو غياب الطبقة السياسية القادرة على إدراك المعنى الوظيفي للدولة، باعتبارها حامية للحرية وراعية للعدالة. فالقادة، وقادة الأحزاب على وجه الخصوص، يفتقرون لا فقط إلى الرؤية السياسية، بل إلى أبسط وعي بدور الدولة ولماذا وجد الحزب أصلا، هذا العجز في الوعي حول الأحزاب اليمنية إلى كيانات مغلقة، او قبائل متقدمة تحكمها الولاءات لا المبادئ، وتديرها شبكات المصالح لا البرامج. هي طبقة سياسية فاقدة للخيال، تكرّس الرداءة وتعيد إنتاج الصراع، والردائه القيادية دون أن تمتلك مشروعا وطنيا جامعا، أو تصورا حقيقيا لبناء دولة مواطنة.

والمفارقة أن هذا العجز ليس قدرا يمنيا، بل نتيجة غياب مشروع فلسفي – سياسي حقيقي يؤطر للصراع، ويؤسس لبنية عقلانية ناظمة للحياة العامة. فحين خرجت رواندا من مذابحها المروعة، لم تنهض فقط على جراح الذاكرة، بل على وعي سياسي جديد بالدولة، وعلى نخبة مؤمنة بإمكانية البناء رغم الدم. وكذلك فعلت ألمانيا بعد الحرب، حين جعلت من الدولة – لا الحزب – الإطار الأسمى الذي يحكم الجميع

الدولة هي السحر الذي يصنع الفرق: هي الأمن، وهي الحريّة، وهي العدالة، وهي التعليم، وهي الضامن لكرامة الإنسان. هي المعنى الغائب الذي يجعل أوروبا تخشى الشعبوية، لا لأنها بديل، بل لأنها تهدد القيم التي تأسست عليها الدولة نفسها.

لهذا، حين يحتقر أحدهم بلده لأنه وجد في أوروبا نظاما، فإنه لا يُدرك أن الفارق ليس في الناس، بل في الكيان الغائب الذي لم يُبن بعد — الدولة.

shape3
الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد