لم تعد المسألة محصورة في أدوات التنفيذ الظاهرة للعيان، فالإشكال الجوهري لا يكمن في من ينفذ، بل في من يخطط ويمول ويوفر الغطاء السياسي والإعلامي للعبث باستقرار مأرب ومؤسساتها. وهنا تتكشف طبيعة الصراع الحقيقية: صراع على هوية الدولة ومركز القرار الوطني، بوسائل ظاهرها النقد وباطنها الاستهداف الممنهج.
إن الاقتصار على محاسبة الأدوات المنفذة، مع التغاضي عن الرؤوس المدبرة والممولين الحقيقيين، لا يحقق عدالة ولا يصنع استقرارًا، بل يُعد ضربًا من التساهل غير المبرر، يرقى إلى التواطؤ بالصمت. ومن المخزي أن يتحول بعض الوسطاء إلى قنوات عبور للمخططات التخريبية، في حين يستخدم بعضهم اداة في شكل "البراميل"، ويتستر الممولون خلف وقارٍ زائفٍ يخفي خلفه أجندات مدفوعة الثمن.
والمفارقة الصادمة أن الجهة التي تموّل حملات الإساءة إلى مأرب وأمنها وقضائها، هي ذاتها من تموّل نشاطات مليشيا الحوثي في صنعاء، وخصوصًا المراكز الصيفية التي تُستخدم لتغيير وعي الطلاب وحشدهم لاحقًا للقتال ضد مأرب وأبنائها.
إن استمرار استهداف الجيش والأمن والسلطة المحلية والقضاء في مأرب، لا يمكن فصله عن سياق أوسع يسعى إلى إسقاط ما تبقى من بنيان الدولة الوطنية في المناطق المحررة، خدمة لأجندات انقلابية تتقاطع مع مصالح إقليمية تسعى لفرض معادلة الأمر الواقع.
ولذلك فإن لحظة المكاشفة قد حلت، والعدالة لا تكتمل إلا باجتثاث كل حلقات التآمر، من الممول إلى المخطط إلى الوسيط، وليس فقط الأداة.
إن مأرب، بما تمثله من عمق استراتيجي ودرع جمهوري صلب، ليست مجرد محافظة تُستهدف، بل جدار صد وطني تُراد له الهشاشة، كي ينهار الجدار كله.
لكن ما لا يفهمه المتآمرون، هو أن مأرب لم تُبْنَ على صفقة، ولن تسقط بورقة، وأن رجالها – من الجيش إلى الأمن إلى المقاومة -إلى رجال القبائل – يحملون الجمهورية في قلوبهم، لا في أوراق التفاهمات السياسية.
التحية لمأرب برجالها، وصبرها، وبصيرتها، ومواقفها التي صارت ميزانًا لكل وطني حر.