أدرك الجميع مؤخراً خطورة الحملة التي تستهدف مأرب، ليس فقط على المستوى الجغرافي، بل على المستوى الوطني والوجودي للجمهورية اليمنية. فالهجمة التي طالت الجيش والأمن والقضاء والسلطة المحلية، لم تكن أبداً تعبيراً عن حالة نقد لحظي أو صراع بين أطراف، بل كانت وما تزال جزءاً من مؤامرة مدروسة تسعى إلى إسقاط آخر قلاع الدولة، وآخر جدار للصد الوطني، وآخر جبهة تتصدى للاحتلال الإيراني ومليشياته الحوثية.
لقد تكشف للجميع، بعد أكثر من ست سنوات، أن التيار المشبوه الذي تسلل إلى مأرب لم يكن سوى أداة بث للفتنة وتفكيك للجبهة الداخلية، عبر تشويه الرموز والمؤسسات، وبث الشائعات، وتغذية النزاعات البينية. وقلناها مراراً: إن معركتنا الوطنية ضد مليشيات الاحتلال الإيراني الحوثية لا تُخاض إلا تحت ظلال المشروع الوطني الجامع، لاستعادة الدولة ومؤسساتها، ويؤسس للعدالة والمساواة، ويقوض كل أشكال السلالية والعنصرية والمناطقية، لندفن جميعاً تحت أقدامنا كل المشاريع الطائفية وفكر السلالة الشيطانيّ.
أما الأخطر من تلك الوجوه التي تصدرت الهجوم على مأرب ومؤسساتها، فهو ذلك الحضور الخفي للعقول المدبرة والممولين الذين يحركون المشهد من وراء الستار. فهنا لا نتحدث عن أدوات رخيصة تقاذفتها الأجندات، بل عن شبكة مصالح مترابطة تتقاطع فيها إرادة الإسقاط الداخلي مع أجندات إقليمية ودولية هدفها تفكيك ما تبقى من بنية الدولة اليمنية. البعض يختبئ خلف عباءة السياسة أو الاقتصاد أو الوجاهة الاجتماعية، لكنه في الواقع يمارس دور المخرّب، عبر تمويل الحملات، وتوجيه الوسائط، وتسخير بعض المنابر الإعلامية والمجتمعية لتزييف الوعي وتحويل الجناة إلى ضحايا، ومؤسسات الدولة إلى رموز بطش واتهام.
وكذلك الأخطر أن بعض هؤلاء يتشدقون بالوطنية والحرص على الدولة، فيما تفضحهم وثائق الدعم المالي للمشاريع الحوثية في صنعاء، وعلى رأسها تمويل المراكز الصيفية، التي أصبحت مصنعًا لتخريج الأجيال المؤدلجة ضد مأرب والجمهورية، وتغذية ماكينة الحرب الإيرانية على اليمن من الداخل.
اليوم، وبعد أن وصلت الحملة إلى ذروتها، لم تعد مجرد حملة افتراءات أو تشويه إعلامي، بل تحوّلت إلى عملية منظمة تستهدف المؤسسة الأمنية في عمقها. والسكوت عنها ليس موقفًا حياديًا، بل تفريط في واجب الدفاع عن كيان الدولة. ولذلك، فإن الواجب الوطني يفرض على كافة القوى السياسية والوطنية، وعلى رأسها الأجهزة الأمنية والقضائية، اتخاذ خطوات حاسمة لتوقيف كل من له ارتباط مباشر أو غير مباشر بهذه المؤامرة.
إن مأرب ليست قلعة لأبنائها فقط، بل حصن لكل يمني حر، وشرف الدفاع عنها مسؤولية وطنية شاملة. وعلى الأجهزة الأمنية أن تضرب بيد من حديد، كل جهة أو شخصية، أياً كانت مكانتها أو غطاؤها أو حصانتها، ثبت تورطها أو تواطؤها أو تسهيلها لأي نشاط عدائي ضد مأرب أو مؤسساتها أو قياداتها.
مأرب، التي أسقطت أحلام الفُرس على أسوارها، ستظل كما كانت: جدار الصد، وخندق الدفاع، وقلعة الجمهورية، وعاصمة الثوار. والوعي الشعبي والوطني اليوم، هو السلاح الأقوى في مواجهة تلك المؤامرات، لإسقاطها كما سقطت غيرها من محاولات الانكسار في ميدان النضال اليمني.
وعليه، فإن المسألة لم تعد خاضعة للتحليل أو التقييم، بل أصبحت حقيقة صلبة تفرض على الجميع التعامل معها بالجدية القصوى. فاستهداف الأجهزة الأمنية اليوم ليس استهدافًا لهيكل مؤسسي فحسب، بل هو تهديد مباشر لحياة المجتمع وأمنه واستقراره، وفتحٌ للأبواب أمام القوى المتآمرة لتصفية كل الرموز والقيادات الوطنية.
ومن هنا، فإن على الأجهزة الأمنية في مأرب، وبدعم كل القوى السياسية والمجتمعية، اتخاذ إجراءات فورية ورادعة تشمل:
•ضبط ومحاسبة كل من له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بتلك الحملة العدائية.
•عدم التهاون مع أي جهة، أياً كانت مكانتها أو غطاؤها، يثبت تورطها في هذا المخطط.
•كشف الجهات التي ترفض التعاون مع السلطات الأمنية والقضائية، أو توفر مظلات سياسية أو إعلامية لأعداء مأرب.
وفي الوقت الذي نؤكد فيه ثقتنا الكاملة بجيش وأمن ومقاومة وقبائل مأرب، وبقدرتهم على إفشال هذه المؤامرة كما أفشلوا ما سبقها، فإننا نرفع صوتنا عاليًا بأن مرحلة الصبر قد ولّت، ومرحلة الحسم والمواجهة القانونية والأمنية قد حانت.
الدفاع عن مأرب ليس شأنًا خاصًا بأبنائها، بل مسؤولية وطنية على عاتق كل يمني حر وشريف، لأنها تمثل اليوم القلعة الأخيرة للمشروع الجمهوري، والصد الأول في مواجهة تمدد المشروع الإيراني.
فالجمهورية لا تُحمى بالخطابات الموسمية ولا بالمواقف الرمادية، بل تُصان بالفعل الوطني الميداني الصادق، ومأرب كانت وستبقى – بإذن الله – بوابة النصر ومقبرة المشاريع المعادية.