تحسن سعر صرف الريال اليمني في الأيام الأخيرة يُعدّ خبرًا جيدًا بحد ذاته، بغض النظر عن خلفياته أو الجهة التي تقف وراءه. لكن الحقيقة الأهم والأعمق أن هذا التحسن لا يكفي لتجميل صورة حكومة فقدت مصداقيتها أمام شعبها، ما لم تقرن هذه المؤشرات بتحولات إصلاحية حقيقية تُعيد الثقة وتثبت القدرة على الإنقاذ.
الاقتصاد لا ينتعش بالصدف، ولا يستقر بالوعود المجردة، بل بإجراءات حاسمة تعيد الانضباط المالي، وتوقف العبث بالإيرادات، وتضع حدًا للامتيازات المدمرة، وتطارد منظومة الفساد العميقة التي نخرت مفاصل الدولة وأجهزتها المالية.
ما يحتاجه السوق الآن لتحقيق استقرار فعلي للعملة يتلخص في الآتي:
• تحسن حقيقي وملموس في الإيرادات السيادية: ولا سيما من القطاعات الحيوية كالموانئ، الجمارك، الضرائب، وشركات الاتصالات.
•وقف الصرف خارج إطار الموازنة العامة: وإنهاء الممارسات العبثية التي تستنزف الخزينة العامة تحت لافتات سياسية أو ولاءات مناطقية.
• إقرار التعرفة الجمركية الموحدة وتطبيقها فورًا: بما يعزز الشفافية ويوقف نزيف الإيرادات من المنافذ.
• وقف فوري لصرف مرتبات النخبة والمسؤولين الكبار بالدولار والعملات الأجنبية: فالدولة التي تعاني من أزمة نقد أجنبي لا يمكنها الاستمرار في دفع رواتب المسؤولين بالدولار بينما الموظف العادي لا يحصل على راتبه بالريال.
• إجراءات صارمة لمكافحة الفساد: تبدأ من الكشف العلني عن الجهات الحكومية التي ترفض توريد إيراداتها إلى البنك المركزي، ومحاسبة المسؤولين عنها دون تسويف.
• الانتقال من التراخي إلى المحاسبة: عبر التنسيق مع المجتمع الدولي، وخاصة وزارة الخزانة الأميركية، لتوسيع قائمة العقوبات على البنوك وشركات الصرافة المتورطة في المضاربة بالعملة أو تهريبها أو التعاون المالي مع الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها مليشيات الحوثي.
الاحتفاء بتحسن سعر العملة يجب ألا يكون غطاءً للاستمرار في السياسات الفاشلة ذاتها، بل فرصة لإعادة ضبط بوصلة الإصلاحات. إن تحسّن الريال اليوم، دون خطوات جادة ومستدامة، لا يعني شيئًا إذا ما أعقبه تراجع جديد يعيد المواطنين إلى دوامة فقدان الثقة.
فاليمن اليوم لا يحتاج إلى تحسين مؤقت في المؤشرات، بل إلى قرار سياسي شجاع يطلق مرحلة الحساب والعقاب، ويعيد الاعتبار لوظيفة الدولة كضامن اقتصادي وأمني واجتماعي.