في أربعينية الشاعر والأستاذ والمثقف اليمني فؤاد الحميري، لا نكتب مرثية، بل نُعيد رسم صورة رجلٍ كان في ذاته مشروعًا إنسانيًا وفكريًا، صاغته التجربة، وربّته الفكرة، وأطلقه الحرف ليكون شاهدًا على زمانٍ مضطرب، وقائدًا في دروب التغيير التي يحفرها الأحرار في صخر الواقع.
لم يكن فؤاد الحميري مجرد شاعر، بل كان صوتًا، ومعنى، وموقفًا. في حضرته، تشعر أن الكلمة تنقلب إلى موقف، والقصيدة تتحول إلى وعي، وأن القصائد ليست للزينة، بل أدوات تحرير، تمامًا كما البنادق. لكنه لم يرفع سلاحًا يومًا، بل ظلّ مؤمنًا بأن أعظم ما يملكه المناضل هو الكلمة إذا أُطلقت من قلب صادق وعقل واعٍ.
ولد فؤاد في بيئة يمنية أصيلة، حيث الدين لا يُفصل عن القيم، وحيث العلم لا ينفصل عن المروءة. بدأ تعليمه مبكرًا بتتلمذه على يد الشيخ القاضي محمد بن إسماعيل العمراني، أحد أعمدة الفقه الإسلامي في اليمن. نهل من معين هذا العالم الزاهد، وتشرّب منه الحكمة والفقه وعمق النظر في مقاصد الشريعة. لكنه لم يقف عند هذا الحد، بل انطلق نحو ضفاف الأدب، فتتلمذ على يد الدكتور عبدالعزيز المقالح، أديب اليمن الكبير، وراعي نهضته الثقافية، ليجمع بذلك بين عمق الفقه الإسلامي ورحابة الأدب العربي، ويُصبح نتاجًا نادرًا لمزج الدين بالثقافة، والفكر بالحس، والالتزام بالإبداع.
نبوغه الشعري بدأ مبكرًا، لكنه لم يكن نبوغًا في المبنى فقط، بل في المعنى قبل كل شيء. لم تكن قصائده تمارس الترف البلاغي، بل كانت مرايا ناطقة بحقيقة الإنسان اليمني، بنضاله، بألمه، بحلمه المؤجل، وبجرحه المفتوح. جعل من اللغة شعرًا، ومن الشعر موقفًا، ومن الموقف وعيًا، ليُقدّم نموذجًا مختلفًا لشاعر لا يكتب من أجل الجوائز، بل من أجل الناس.
في شعره، يتجلى الوطن ككائنٍ حي، يبكي ويئن، لكنه لا يستسلم. وفي واحدة من أبرز قصائده، “جمهورية إنسان”، أطلق صيحة مدوية تشبه البيان الثوري:
“إخوة نحيا ولا معبود إلا هو
وليس في قاموسنا عبدٌ ولا شاهُ”
بهذا المعنى، كان فؤاد الحميري جمهوريًا لا بمفهوم النظام، بل كهوية وضمير، ينتمي لفكرة الحرية، ويقدّس المساواة، ويؤمن أن الدين لا يتعارض مع كرامة الإنسان، بل يؤسس لها.
عُرف فؤاد الحميري أيضًا بخطابته الفذة، إذ جمع بين فصاحة الفقيه وبلاغة الأديب، فكان حين يتحدث، يأسر العقول، ويوقظ الهمم، ويدفع الناس إلى مراجعة أنفسهم ومواقفهم. لم يكن يصرخ، بل يُقنع. لم يكن يزايد، بل يُبصر. خطابه لا يغذي الكراهية، بل يُسلّح بالوعي.
في ثورة 11 فبراير 2011، كان أحد أبرز الأصوات التي عبّرت عن روحها، وساندت حراكها، لا من على كرسي السلطة، بل من قلب الساحة. لم يتعامل مع الثورة كحالة طارئة، بل كضرورة تاريخية، فكان يرى أن الصبر والثبات على المبدأ هو الطريق الوحيد للتغيير الحقيقي. كان يُدرك أن الحناجر تهتف، لكن العقول تُبني، وأن الثورة ليست لحظة غضب، بل مسار طويل من البناء الفكري والاجتماعي.
ثم جاءت اللحظة الأصعب في حياة اليمنيين، حين اجتاحت مليشيا الحوثي مؤسسات الدولة، وبدأ مشروع الظلام الزاحف. عندها، لم يتردد فؤاد الحميري في خوض معركة المقاومة، ولكن بطريقته الخاصة: بالكلمة، بالفكرة، بالموقف. رفض الخضوع، وأعلنها صريحة أن الوطن لا يُبنى بالصمت، بل بالصوت العالي، وأن الكلمة في وجه الباطل جبهة لا تقل أهمية عن ساحة المعركة.
في تلك المرحلة، كان صوته هادرًا، لكنه عقلاني. كان يصرّ على أن مقاومة الحوثي لا يجب أن تكون طائفية أو مناطقية، بل وطنية شاملة، قائمة على مبدأ المواطنة والعدالة. كان يُذكّر الجميع أن الوطن يتسع للجميع، وأن الاستبداد لا يُقاوم بالاستبداد، بل بالحرية.
ولأن الكلمة المقاومة تؤلم أكثر من الرصاصة، فقد حاول خصومه مرارًا إسكات صوته، وتشويه صورته، لكنه ظل ثابتًا، لا يساوم، ولا يُغيّر مواقفه بحسب اتجاهات الريح. بقي نزيهًا، شريفًا، صادقًا، وهو ما جعل حتى المختلفين معه يجلّونه، ويحترمون مبدئيته ونقائه.
وفؤاد لم يكن من أولئك الذين يعيشون في الأبراج العاجية. كان قريبًا من الناس، يتنفس نبضهم، ويحمل همومهم، ويؤمن أن وظيفة المثقف ليست التنظير بل الإضاءة. أحبّه الناس لأنه أحبّهم، واحترموه لأنه احترمهم، وكان شعبيًا دون أن يفرّط في مبدئيته.
في أيامه الأخيرة، ورغم الألم والخذلان، ظلّ متماسكًا، متفائلًا، ينفخ فينا روح الاستمرار. لم ينكسر، بل غيّر فقط ميدان نضاله، وظل على العهد حتى آخر حرف. وكأنه كان يُربينا على أن الأحرار لا يُهزمون، بل يُبدّلون مواقعهم ويواصلون السير، لأنهم ببساطة يؤمنون.
وحين رحل، لم يرحل وحده، بل أخذ معه جزءًا من ضمير اليمن، وترك لنا إرثًا من الفكر والشعر والموقف. نحن اليوم، في أمسّ الحاجة لاستحضار مشروع فؤاد الحميري، لا لنبكيه، بل لنُواصل دربه. أن نُعيد الاعتبار للكلمة، ونُقاتل بالوعي، ونُحافظ على الجمهورية كهوية وليست مجرد شعار.
فؤاد الحميري لم يكن شاعرًا فقط، بل كان مدرسةً في الفداء والشجاعة والنقاء النضالي، وكان جمهورًا صامتًا من الحرف، وجيشًا كاملًا من المعنى. في أربعينيته، نُجدد العهد على أن نبقى كما أراد لنا: أحرارًا لا نخضع، مثقفين لا نغيب، وشعراء لا نرتخي أمام القبح.
رحمه الله رحمة واسعة.
لقد عاش مقاومًا، ومات واقفًا، وترك لنا وصية في كل بيت من قصائده:
أن الكلمة التي تُقال في وقتها، قد تُنقذ وطنًا كاملًا