المشهد الذي جمع الأشقاء السعوديين بما يسمى "رئيس الجنوب العربي" وبحضور علم غير علم الجمهورية اليمنية، ليس مجرد تفصيل بروتوكولي أو خطأ شكلي، بل هو رسالة سياسية عميقة المعاني في توقيت شديد الحساسية وفوق كل ذلك كان الوفد السعودي عسكريا ممثل بنائب قائد القوة 802 السعودية لبحث التعاون المشترك .. بحث بين من ومن
ياتي ذلك في لحظة تتكثف فيها الضغوط لفرض "خارطة طريق" عبر مفاوضات مسقط، وتتصاعد المساعي الدولية والإقليمية لإغلاق الملف اليمني وفق ترتيبات لا تلبي الحد الأدنى من أهداف معركة التحرير، يطل هذا المشهد ليؤكد أن هناك من يعمل على إعادة تعريف الأطراف السياسية في المعادلة اليمنية، بل وإعادة صياغة رموزها وهويتها.
وجود علم آخر على الطاولة يعني – في لغة السياسة – الإقرار الضمني بكيان سياسي موازٍ أو بديل، حتى لو لم يُعلن ذلك في البيان الرسمي. إنها خطوة أشبه بـ"اختبار" لردود الفعل، وتهيئة الرأي العام لمرحلة يصبح فيها التعامل مع هذا العلم وهذه القيادة أمرًا مألوفًا، وربما مقبولًا دوليًا.
لكن الأخطر أن هذا النوع من الرسائل يصب مباشرة في صالح المشروع الذي تسعى خارطة الطريق لتمريره: شرعنة الأمر الواقع، وتفكيك الشرعية اليمنية إلى مكونات متساوية في التمثيل، بدل أن تبقى إطارًا جامعًا وموحدًا للدولة.
هنا، يصبح المشهد أكثر وضوحًا:
رسالة ضغط على الشرعية: إما القبول بالترتيبات القادمة كما هي، أو الاستعداد للتعامل مع أطراف أخرى تُقدَّم للعالم على أنها "شركاء" على قدم المساواة.
تأثير على معركة التحرير: إضعاف مركز القرار السياسي الموحّد، وتشتيت الجبهة الوطنية، وفتح الباب أمام أجندات تقسيم وتجزئة اليمن.
إعادة ترسيم الهوية: حين يظهر علم غير علم الجمهورية في مشهد رسمي، فإن الرسالة المبطنة هي أن رمزية الدولة اليمنية لم تعد حصرية أو مقدسة، وأن البدائل قابلة للتداول.
إن خطورة هذا المشهد تكمن في أنه يتزامن مع تحسن قيمة العملة، ومع شعور نسبي بالانفراج الاقتصادي، وكأن المطلوب أن ينشغل الناس بالأثر المعيشي قصير المدى، بينما تُرسم في الكواليس خرائط سياسية طويلة المدى تمس جوهر السيادة ووحدة الأرض.
إنها لحظة اختبار للإرادة الوطنية: إما أن تكون الشرعية بمؤسساتها وقواها السياسية على مستوى التحدي، وتواجه بوضوح هذه الرسائل، أو أن تصمت، فتتحول هذه اللحظات الرمزية إلى وقائع سياسية راسخة في مفاوضات مسقط وما بعدها.
القضية الوطنية ليست سلعة تفاوض ولا علمًا يُستبدل على الطاولات، بل هي هوية وسيادة ومصير شعب. ومهما كان شكل الضغوط أو بريق الوعود، فإن أي مشهد يتجاوز علم الجمهورية اليمنية هو خطوة على طريق تفكيكها، ومسؤولية التصدي له تقع على كل من يحمل صفة شرعية أو يدّعي الدفاع عن الدولة.