الصحافة مهنة مقدسة، تحمل في جوهرها واجبات ومهام عظيمة تجاه المجتمع، وهي مسؤولية جسيمة في صلبها "أمانة الكلمة". ممارسة الصحافة ليست أمرًا عابرًا، ولا مجرد كتابة رأي، ولا مجرّد جرأة في الطرح أو تحدٍ للسلطات، بل هي حقيقة غائبة يبحث عنها الناس، وأداة إصلاح ناعمة في المجتمعات والدول التي تقوم على المؤسسات.
أن تركب موجة الصحافة شيء، وأن تمتهنها بحرفية شيء آخر تمامًا. فمهمة الصحافة صناعة الرأي، والكشف عن الحقيقة، والتحقيق، والتحليل، وبناء الخبر، بما يرقى إلى مستوى المسؤولية الوطنية والاجتماعية.
من أبرز مهام الصحافة: تنوير المجتمع، تنبيه مؤسسات الدولة، محاربة الفساد، كشف الانتهاكات، وصناعة الرأي العام. لكن هذه المهام لا تتحقق إلا عبر الاستقصاء والتحقيق العميق. فالحديث عن الفساد لا يعني الاكتفاء بمستندات حصل عليها الصحفي، فهذه ليست نهاية الطريق بل بدايته. الصحفي المحترف يتعامل مع الوثائق كبوابة لرحلة بحث مضنية، قد تستغرق وقتًا طويلًا حتى تكتمل الحقيقة.
لقد خاضت صحيفة الشموع عبر مسيرتها في محاربة الفساد العديد من التحقيقات الاستقصائية، بعضها استمر شهورًا طويلة حتى نصل إلى مادة مهنية تصنع أثرًا لدى الرأي العام والجهات المسؤولة. ومن أبرز تلك القضايا، قضية شركة الأدوية والمواد الأولية لصناعة حبوب البرامول.
في هذا التحقيق وبعيدا عن التفاصيل ، كان التقرير الأهم صادراً عن شركة SGS عبر وكلائها شركة إخوان ثابت، بإشراف مختص مختبرات أردني. وللوصول إلى الحقيقة، لم يكن أمامي سوى خوض مغامرة غير مأمونة العواقب ومغامرة مجنونة ،قررت أن أقتحم المشهد متقمصًا دور محقق عضو نيابة، بعد أن حصلت على أوراق رسمية من رئيس النيابة في الحديدة حينها القاضي إسحاق صلاح رحمه الله بعد ان تعهدت له انني سأستخدمها في عملية الاخراج في تحقيق خاص بالقضاء
بعدها دخلت الشركة وقدمت نفسي كمحقق منتدب من النيابة، مدعومًا بدقة معلوماتي بتفاصيل دقيقة اجبرت مدير الشركة، على الاقتناع رغم إشعاري له بأنني نسيت امر التكليف ويمكنني العودة لإحضاره لكنه كان قد اقتنع ومكّنني من التحقيق مع المختص الأردني والحصول على نسخة من التقرير والعينات المطلوبة. خرجت وأنا بين شعورين متناقضين: الانتصار على الفساد، واليقين أنني ورّطت نفسي في جريمة "انتحال صفة".
توجهت إلى القاضي إسحاق صلاح، ورويت له التفاصيل، وقلت له وهانا أسلم نفسي للنيابة فكان في حالة ذهول، ثم بادر بالاتصال بالنائب العام الدكتور عبدالله العلفي. وجاء التوجيه سريعًا: التحقيق معي وإحالتي لمكتب لنائب العام، مع فتح تحقيق رسمي في القضية. انتهى الأمر بإحالتي للتحقيق أمام نيابة الأموال العامة، لكنها اكتفت بتقرير تغريمي نظراً لثبوت نوايا الصالح العام، فيما أحيلت قيادة شركة الأدوية إلى المحاكمة.
نشرت الشموع التحقيق متكاملًا، وكانت الصحيفة سبّاقة على نتائج التحقيقات الرسمية، لأننا امتلكنا المعلومة وجميع التفاصيل والوثائق. كان ذلك انتصارًا للصحافة الاستقصائية، وتجسيدًا لقداستها كأمانة ومهنة، لا مجرد كلمات منمقة أو مقالات إنشائية.
وكما هو الحال في قضايا الفساد، فإن الحديث عن انتهاكات ترتكب في أجهزة الأمن يحتاج إلى تحقيقات استقصائية دقيقة، لا إلى مقالات إنشائية تفتقر للحرفية. مهمة الصحفي هنا ليست إدانة المؤسسة الأمنية، بل كشف المنتهكين داخلها، مع توثيق الضحايا والتحقق من مصداقيتهم، حمايةً لهيبة المؤسسة وصونًا لحق المجتمع.
فمن ينشر اتهامات كبيرة منقولة عن آخرين دون تحقق، يقع في جريمة مهنية تحت مسمى حرية الصحافة. أما الصحافة الحقيقية فهي حرية مسؤولة، جوهرها البحث عن الحقيقة، وأساسها حماية المجتمع ومؤسساته لا هدمها.
إن الصحافة ليست مهنة عابرة، بل رسالة سامية، وركيزة لبناء المجتمع، وحصنًا لحماية الدولة من الفساد والانحراف. قداسة الصحافة تكمن في أنها أمانة تُمارس بوعي ومسؤولية، لا بشعارات زائفة. الصحفي الحق هو من يمشي على حد السيف، لا يساوم على الحقيقة، ولا يتراجع أمام المخاطر، مؤمنًا أن قلمه أمانة، وصوته ضمير الأمة.
ولعل ما عبّر عنه الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون، وهو أحد الآباء المؤسسين لفكرة الحرية في العصر الحديث، يظل صالحًا حتى اليوم حين قال: «لو خُيّرت بين أن تكون لدينا حكومة بلا صحافة، أو صحافة بلا حكومة، لاخترت بلا تردد صحافة بلا حكومة». إن هذا القول يضع الصحافة في مرتبة أعلى من السلطة ذاتها، لأنها هي التي تمنح الشرعية للسلطة عبر كشف الحقيقة.
أما الصحفي البريطاني جون بيل فقد لخص جوهر المهنة بقوله: «الصحافة هي أن تقول للناس ما لا يريدون سماعه، وأن تُظهر ما لا يريدون رؤيته». وهذه العبارة تختصر معنى المخاطرة التي يعيشها الصحفي في سعيه وراء الحقيقة، حيث يتحول إلى عين المجتمع ولسانه في مواجهة التزييف والظلم.
ومن الصحافة العربية، قال الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين: «الصحافة ليست مهنة من لا مهنة له، وليست ملجأ للمهزومين في حياتهم، بل هي ميدان للفرسان الذين يملكون من الشجاعة ما يضعهم في مواجهة الجميع دفاعًا عن الحقيقة».
هذه الأقوال مجتمعة تكشف أن قداسة الصحافة ليست محصورة بزمان أو مكان، بل هي جوهر إنساني خالد، يتجاوز الحدود واللغات، لأنها في النهاية صرخة الإنسان في وجه القمع، وصوت الشعوب في معركة الحرية والكرامة.
ويبقى الدرس الأبدي أن الصحافة لم تكن يومًا مهنة مَن يُجيد سبك الجُمل المنمّقة أو استعراض الجرأة الفارغة على السلطات، بل كانت وستظل مهنة البحث المضني عن الحقيقة، مهما كانت الطريق وعرة ومليئة بالمخاطر. لقد دفع صحفيون عبر التاريخ حياتهم ثمنًا لكلمة صادقة أو تحقيق استقصائي كشف الفساد وأماط اللثام عن المستور، من إميل زولا في قضية دريفوس حين صرخ "إني أتهم"، إلى الصحفيين الذين فضحوا فضيحة "ووترغيت" فأطاحوا برئيس أقوى دولة في العالم. هؤلاء لم يكونوا كتّابًا متطفلين، بل جنودًا حقيقيين في معركة الوعي، صنعوا فارقًا بين أمة تعرف الحقيقة وأمة تُقاد بالزيف.
إن الصحافة الحقيقية هي الرديف الطبيعي للأمن، لا معول هدمٍ لمؤسسات الدولة. هي حارسٌ للمجتمع من الفساد والانتهاكات، وليست منصة للابتزاز أو تصفية الحسابات. والفرق بين الصحفي والمتطفل كالفرق بين الطبيب الذي يشخّص الداء لينقذ حياة المريض، والدجال الذي يبيع الوهم بزينة الكلام.
لذلك، فإن الصحافة ليست مجرد حرية رأي ولا ترفًا ثقافيًا، بل مسؤولية أخلاقية عظمى وواجب وطني خطير. والكاتب الذي لا يحمل أمانة الكلمة ولا يتقن فن البحث عن الحقيقة، لا يستحق شرف الانتماء لهذه المهنة المقدسة، مهما زيَّن عباراته ومهما لبس من أثواب البطولة الزائفة. تبقى الصحافة في حقيقتها سيفًا بيد المجتمع، يضرب به الفساد، ويحمي به أمنه، ويرسم به طريق الدولة نحو الإصلاح.