شكل حزب المؤتمر الشعبي العام في فترات سابقة تجربة سياسية رائدة في العمل الوطني التوافقي، لكنه اليوم يجد نفسه في دائرة التهميش والقمع—لا من خصوم تقليديين، بل من شركاء الأمر الواقع في صنعاء، فقد منعت جماعة الحوثي قيادات المؤتمر من إقامة فعالية رسمية للاحتفاء بمناسبة تأسيسه، وهو أمر لم يكن ليحدث دون صمت وتبرير بعض القيادات المحسوبة على الحزب، والتي باتت تمارس نوعا من “التبييض السياسي” لممارسات الحوثيين تحت ذرائع واهية..
ذريعة “التضامن مع غزة”: ستار لحظر داخلي
بررت بعض القيادات المقيمة في صنعاء، والتي تتماهى مع الخط الحوثي، منع إقامة فعالية الذكرى الـ43 بحجة “التضامن مع غزة”، وكأن المناسبة ذات الطابع الحزبي الوطني مرتبطة سياقيًا بما يحدث في الشرق الأوسط، هذا الربط يبدو سطحيًا وغير منطقي، خاصة وأنه لم يمنع الحوثيين أنفسهم من إقامة فعاليات متعددة، بعضها ذو طابع شعبي أو سياسي لا يقل استعراضية..
في الواقع، هذا التبرير ليس سوى غطاء لواقع أكثر تعقيدًا، فالحوثيون لا يريدون شريكا سياسيا حقيقيا، حتى وإن كان المؤتمر الشعبي العام، الذي ظل منذ تأسيسه عام 1982 يمثل تيارا وطنيا واسعا بامتدادات شعبية وتنظيمية في عموم البلاد، وإصرارهم على تهميش المؤتمر، حتى في المناسبات الرمزية، يكشف عن رغبة في تفكيك أي مظلة سياسية قد تمثل خطرا على سلطتهم المطلقة في صنعاء..
قيادات الداخل: بين التماهي والارتزاق
المؤسف أن بعض القيادات المؤتمرية الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين لم تعد تمثل خطا سياسيا مستقلا، بل تحولت إلى أدوات ترويجية ضمن مشروع الجماعة، هذه القيادات لا تكتفي بالصمت، بل تذهب إلى أبعد من ذلك عبر التبرير العلني لإجراءات تهدف إلى إضعاف الحزب وتفريغه من مضمونه كقوة سياسية وطنية..
هذا النوع من الخطاب والتصرفات لا يعكس فقط أزمة داخلية في الحزب، بل يفتح الباب أمام سؤال أكثر إلحاحا، ما الدور الذي بقي للمؤتمر الشعبي العام كحزب إذا ما أصبح بعض قادته مجرد أبواق لسلطة الأمر الواقع؟.
الخارج الغائب تنظيميا، المتكسب ماليا
في المقابل، لا يبدو أن المؤتمر في الخارج أكثر تنظيما أو تأثيرا، فغياب قيادة موحدة أو مشروع واضح لاستعادة الدولة جعل الحزب في الخارج في حالة من التيه السياسي، تتحرك فيه بعض الشخصيات وفق حسابات شخصية أو مناطقية، أكثر مما هي منطلقة من مشروع حزبي وطني..
بدلا من أن يكون المؤتمر في الخارج قاعدة لإعادة تجميع الصفوف واستعادة الجمهورية، تحول لدى البعض إلى وسيلة للتكسب السياسي والمالي، من خلال التمترس خلف شعارات المؤتمر دون العمل على تفعيل دوره في المشهد السياسي أو بناء شراكات وطنية قادرة على مواجهة الانقلاب واستعادة الدولة..
المؤتمر.. تجربة توافق وطني تهدر
من المؤسف أن يختزل حزب بحجم المؤتمر الشعبي العام—الذي شكل ذات يوم ركيزة للعمل الوطني الجامع، وأحد أبرز تجارب التوافق بين التيارات المختلفة—إلى حالة من الجمود والارتهان، بين سطوة الحوثيين من جهة، وتشتت الخارج من جهة أخرى، يواجه الحزب لحظة تاريخية فاصلة، إما أن يعيد ترتيب صفوفه كحامل لمشروع وطني جامع، أو يستمر في التحلل والتآكل، ليتحول إلى مجرد ذكرى في أرشيف التجربة السياسية اليمنية..