في مسيرة الأمم، تبرز دوماً مواقع جغرافية تحمل هوية روحية وحضارية تتجاوز حدود مكانها، لتتحول إلى رموز للصمود والتجدد. مأرب، التي طالما كانت حاضنة لأعظم الحضارات الإنسانية، تبرز اليوم مجدداً في صدارة المشهد اليمني، ليس فقط بوصفها درعاً واقياً ضد المشاريع الانفصالية والإمامية، بل كمنارة للجمهورية والهوية الوطنية. هذه الصدارة ليست وليدة اللحظة، بل هي استحقاق تاريخي نابع من عمقها الحضاري، وشجاعة أبنائها، وإرادتها التي تتجدد عبر العصور.
تشير الأدلة التاريخية إلى أن مأرب كانت عاصمة لدولة سبأ لأكثر من ألف عام، من القرن الثامن قبل الميلاد حتى القرن الثالث الميلادي. وشهدت تشييد أهم المنشآت الهندسية مثل سد مأرب العظيم وشبكة قنوات الري (الجنتان) ومعابدها الشهيرة مثل معبد عرش بلقيس (برأن) ومعبد محرم بلقيس (أوام). وكان سورها الذي بني في القرن الثامن قبل الميلاد دليلاً على تقدمها الهندسي وقوتها. لكن انهيار السد المفجع شكل نقطة تحول في تاريخها، مما أدى إلى تفرق أهلها وبداية قرون من التيه والشتات، كما وصفها المؤرخون والعرب بأمثالهم الشهيرة. ورغم هذه المحنة، فإن روح الصدارة لم تغب عن مأرب. ففي العصور الإسلامية، وعلى الرغم من طبيعتها الصحراوية وقلة سكانها، حافظت على استقلاليتها النسبية وروح الرفض للهيمنة. حاولت "دولة الإمامة الزيدية" مراراً إخضاعها، بدءاً من العام 1027م، مستخدمة تارة التهديد الديني كما في رسائل الإمام عبدالله بن حمزة، وتارة القوة العسكرية كما في غزوات الإمام أحمد بن الحسين لاحقاً. لكن مقاومة المأربيين جعلت سيطرتها دوماً هشة ومؤقتة.
ومع انبثاق الدولة القاسمية، برزت إمارة مأرب التي أسسها آل خالد، وتميزت بفترات من الازدهار النسبي والاستقلال الذكي. فقد عمل حكامها، وخاصة الأمير عبدالرحمن بن حسين، على تعزيز الأمن، وجذب السكان، وإنشاء الأسواق، وعقد التحالفات مع القبائل المجاورة، بل وحتى إقامة علاقات دبلوماسية مع الدولة العثمانية التي اعترفت بسلطتهم. وقد لاحظ الرحالة الأوروبيون مثل كارستن نيبور وجوزيف توماس أرنو هذه المكانة الخاصة لمأرب المستقلة. لكن التحدي الأكبر جاء مع محاولات الإمام يحيى مد نفوذه، حيث شكل المأربيون وحلفاؤهم من الجوف وبيحان جبهة رفض قوية. ورغم سقوطها أخيراً في 1931م بفعل الخلافات الداخلية، إلا أن روح المقاومة لم تمت، بل تجلت في مشاركة أبنائها لاحقاً في ثورة 1948م وثورة 26 سبتمبر 1962م.
اليوم، ومع عودة "الإمامة" في ثوبها الحوثي المدعوم إقليمياً، تبرز مأرب مرة أخرى في أعلى درجات الصدارة. لقد اختارها القدر لتكون حصن الجمهورية الأخير والمدينة التي أنقذت كرامة اليمن من السقوط الكامل في براثن المشروع الكهنوتي. لقد صمدت في 2015م بفضل حكمة أبنائها الذين اختاروا ساحات القتال ("المطارح") بعيداً عن المدنيين، وبفضل شجاعة مقاتليها الذين ضربوا أروع أمثلة التضحية. لم تكن مأرب مجرد موقع جغرافي يدافع عن نفسه، بل كانت ملاذاً آمناً لكل اليمنيين الرافضين للمشروع الانقلابي، ومشغلاً لنهضة وطنية متجددة، ومشهراً لميلاد "الجمهورية الثانية". لقد أثبت المأربيون أنهم حراس التاريخ والحاضر والمستقبل.
هكذا تظل مأرب، بجذورها الضاربة في عمق التاريخ، وشعبها الذي لا يعرف الانكسار، وموقعها الاستراتيجي الذي جعلها حصناً منيعاً للجنوب والشرق، ورؤيتها الثاقبة التي آمنت بالجمهورية كخيار وحيد للخلاص، تثبت أن صدارتها ليست صدفة عابرة، بل هي استحقاق تاريخي متجدد، تؤكد فيه، من واقع مجدها الأول إلى مجدها الأخير، أنها فعلاً "مبتدأ الحضارة ومنتهاها"، والقلب النابض الذي يكتب بثبات ملحمة اليمن الجديد، الحر والجمهوري.