يمثل الجيش الوطني في محور تعز نموذجًا متقدّمًا للقيادة الواعية الأكثر إدراكًا بخطورة الحصار المفروض عليه، إدراكًا يتجاوز مجرد معرفة تفاصيله، إلى فهم أسبابه وأهدافه، وإلى إدراك أن استهداف الجيش في قوته ومعيشة أفراده لا يقل خطورة عن استهدافه في ميدان القتال.
هذا الجيش يقاتل في ظروف استثنائية، بينما يفتقر مقاتلوه إلى الحد الأدنى من التغذية والاحتياجات الأساسية التي تليق بتضحياتهم. ولأن الحكومة تقاعست عن واجبها، وقيادة وزارة الدفاع تهاونت في أداء مسؤولياتها، اضطر محور تعز إلى اتخاذ قرار بوضع يده على ضريبة القات كإجراء استثنائي، هدفه الوحيد الحفاظ على مؤسسة الجيش وضمان بقائها صامدة في وجه الحصار.
البُعد القانوني والإداري
ما قام به محور تعز لا يمكن اعتباره مخالفة بالمعنى الصريح للقانون، بل هو إجراء اضطراري يُقارب مبدأ الضرورة في الفقه القانوني: إذ حين تُهمل الحكومة واجباتها وتُحرم مؤسسة عسكرية من أبسط مقومات البقاء، يصبح من المشروع أن تُوجد هذه المؤسسة بدائل تكفل استمرارها. إن ضريبة القات – بوصفها إيرادًا عامًا – كان يجب أن تورد أصلاً إلى الخزينة العامة، لكن بما أن الخزينة امتنعت عن أداء التزاماتها تجاه الجيش، فإن استخدام هذا المورد مؤقتًا لصالح المقاتلين لا يُعد سوى مقاصة واقعية بين الحق والالتزام.
البُعد السياسي والوطني
الجيش الوطني ليس مؤسسة عادية يمكن الاستغناء عنها أو تهميشها؛ إنه صمام الأمان للمجتمع اليمني، وحائط الصد الأول في مواجهة مليشيات الحوثي الإيرانية. وأي حصار يفرض عليه، سواء بالتجويع أو بقطع المرتبات أو بمنع الموارد، لا يمكن فهمه إلا كمحاولة لإضعاف الجيش تمهيدًا لإضعاف الدولة وإطالة أمد الصراع.
إن ما قام به محور تعز يمثل رسالة مزدوجة:
أولاً: أن الجيش قادر على حماية نفسه من الانهيار حين تتخلى الدولة عن واجباتها.
ثانيًا: أن التضحيات لا يمكن أن تستمر بلا سند، وأن القادة العسكريين يدركون أن صمود الجندي يحتاج إلى لقمة عيش قبل أن يحتاج إلى السلاح.
الدعوة إلى تعميم التجربة
إذا كان هذا الإجراء قد أثبت فعاليته في محور تعز، فإن من الواجب على قيادة الجيش الوطني أن تدرس تعميم التجربة في كل جبهة وقطاع عسكري، من خلال وضع اليد على ضريبة القات وغيرها بطريقة منظمة، مع مخاطبة وزارة المالية والبنك المركزي لاعتماد هذه الإيرادات كجزء من مرتبات ومستحقات الجيش، في إطار مقاصة مالية مشروعة حتى يتم الإفراج عن المستحقات المحتجزة.. لا يمكن البقاء في مربع التفرج تجاه جيش يتحمل مهام الدفاع عن وطن ومحاربة الانقلاب الإيراني ومليشياته فيما ابسط حقوقه مستباحه ومرتباته موقوفة ..
إن ما جرى في تعز ليس خروجًا على القانون، بل هو دفاع عن الجيش وعن الوطن في وجه التخاذل الحكومي. وإذا لم تتحرك الحكومة بسرعة لصرف المرتبات وتغطية نفقات الجيش، فإن مثل هذه الإجراءات الاستثنائية ستتحول إلى قاعدة عملية لحماية مؤسسة الدولة العسكرية من الانهيار.
فالجيش الذي يحمي الأرض لا يجوز أن يُترك جائعًا في الخنادق، بينما تُهدر المليارات على قوائم الإعاشة للمسؤولين في الخارج !!