ما زالت إنجازات سوريا تبهرني، وما زال الرئيس أحمد الشرع يتملك قلوب السوريين والعرب بشكل عام.
سأتحدث هنا عن مقارنة صغيرة بين قرارات الدولة في سوريا، وقرارات شكل الدولة أو اللادولة في اليمن.
فبعد تفويض نقل السلطة إلى مجلس القيادة في اليمن برئاسة الدكتور رشاد العليمي، أصدر العليمي قرارًا بإنشاء صندوق لرعاية أسر الشهداء والجرحى. كان ذلك القرار قبل تحرير سوريا بعام أو عام ونصف تقريبًا.
لكن في المقابل، وقبل تحرير دمشق بعام، شاهدت لقاءً للرئيس أحمد الشرع وهو يتحدث عن تأسيس هيئة لرعاية أسر الشهداء والجرحى على مستوى إدلب والمناطق المحررة. وقبل تحرير دمشق بأسابيع، زار الشرع مخيمات اللاجئين، وتعهد لهم أن مأساتهم ستنتهي قريبًا وأن عودتهم إلى ديارهم باتت قريبة.
تحررت دمشق وسقط النظام، وتولى الشرع رئاسة سوريا.
في الأشهر الأولى، شهدنا احتفالات أقامتها وزارة الدفاع السورية على شرف الجرحى في مختلف المحافظات. وبعدها بخمسة أشهر تقريبًا، شاهدت لقاءً جمع الرئيس الشرع بأطفال الشهداء داخل القصر الرئاسي، حيث خاطبهم قائلاً:
"نحن اليوم في القصر الجمهوري بفضل دماء الشهداء بعد الله سبحانه وتعالى، وأنتم أبناء من صنعوا تاريخ سوريا الجديد."
قبل أسبوع، شاهدت لقاءً مع وزيرة الشؤون الاجتماعية السورية على إحدى المنصات، فسألها المذيع عن أهدافها خلال السنوات القادمة، فأجابت:
"أن ينتهي في سوريا خلال السنوات القادمة شيء اسمه السلال الغذائية والمساعدات، وأن نطوي صفحة المخيمات إلى الأبد."
وبالأمس، افتتح الرئيس السوري حفل تدشين الصندوق السيادي لإعمار سوريا ودعم التنمية، وقال كلمة استوقفتني بشدة:
"لست هنا لأستجدي الصدقة على سوريا، فإن الشام قد تكفل الله بها وبأهلها، فهي أعز من أن يتصدق عليها. لكنني هنا لأذكّر نفسي وإياكم بواجب الوقت؛ فنحن من يحتاج أن ينال شرف التقديم لبلادنا وأمتنا."
الله الله ما أعظم عزت النفس،
انتهى اليوم الأول بجمع أكثر من 70 مليون دولار تبرع بها السوريون لبلادهم، وتتوقع الحكومة السورية أن يتجاوز حجم المساهمات في الصندوق السيادي ملياري دولار من السوريين لا سواهم
أولويات الصندوق: إعادة المهجّرين إلى منازلهم ومدنهم بعد إعمارها، ودعم المشاريع الاستراتيجية.
وفي حوار مع مخرج تلفزيوني وسينمائي خليجي زار دمشق مؤخرًا، تحدث عن رؤية الرئيس الشرع لإحداث نقلة في الدراما السورية وصفها بـ "الثورة". قال إن الشرع طلب منهم التركيز على الدراما السينمائية، وأنه بنفسه يتحدث عن تجارب المخرجين العالميين وكأنه واحد من قلب الوسط الفني.
كل ذلك حدث في سوريا منذ سقوط النظام وحتى إنشاء الصندوق السيادي.
بينما نحن ما زلنا ننتظر من الرئيس العليمي تنفيذ قراره بإنشاء صندوق رعاية الجرحى وأسر الشهداء!
المسألة هنا ليست إدارية ولا قلة خبرة، بل هي انعدام إرادة وانعدام مسؤولية.
من يصدق أن جرحى الجيش الوطني ما زالوا يخرجون كل أسبوع في وقفات احتجاجية يستجدون حقوقهم الخاصة بالعلاج واستكمال جراحهم؟
نحن نعيش فارقًا كونيًا في الشعور بالمسؤولية: فمن لم يهتم بجراح جنوده، فلا خير فيه لبلاده.
وحين نقيس الفارق الكوني في الإنجازات، والفارق الكوني في الفهم والوعي والإدارة، نجد أن وزيرة الشؤون الاجتماعية السورية اكدت انها تمتلك صلاحياتها الكاملة وأنها لن تتردد في الاستقالة إذا تم الانتقاص من صلاحيتها فيما وزراؤنا مجتمعين لا يمتلكون صلاحية ادارة مكتب في العاصمة عدن
في سوريا، وزراء يسيرون على أقدامهم إلى وزاراتهم أو يكتفون بسياراتهم القديمة، وبعضهم اتخذ من غرفة صغيرة في وزارته مسكنًا له، في مشهد يعبّر عن التواضع والمسؤولية.
أما في اليمن، فنحن أمام مجلس قيادة رئاسي مستلب الإرادة، وحكومة بلا سيطرة على مؤسسات الدولة، ووزراء غارقين في الامتيازات بعيدًا عن قضايا الناس.
نحن أمام مشهدين متناقضين:
في سوريا، قيادة تصنع الأمل وتعيد بناء الدولة بخطوات واثقة نحو التعافي الكامل.
وفي اليمن، قيادة تغرق شعبها في الجحيم، وتحوّل كل يوم إلى فصل جديد من الإحباط والخذلان.
إن الفارق ليس في الإمكانيات، بل في الإرادة.
فمن حمل همّ وطنه قاد شعبه إلى التحرير والإعمار، ومن تخلّى عن جنوده وشعبه قاد بلاده إلى الضياع والانهيار ..
إلى الرئيس العليمي .. مازال لديك متسع من الوقت ان صدقت النوايا لصالح الوطن دون غيره !!