مع وعود وآمال بإنعاش شرعية تتآكل، عاد رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، رفقة عضوي المجلس اللواء سلطان العرادة والدكتور عبدالله العليمي، إلى مدينة عدن، العاصمة المؤقتة للبلاد. لكن لم تمضِ سوى ساعات على هذه العودة، حتى اخترق المشهد السياسي عضو المجلس ورئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، بإحدى عشرة رصاصة سياسية، تمثلت في قرارات تعيين مثيرة للجدل.
القرارات التي أصدرها الزبيدي، التي شملت تعيينات في الحكومة والسلطات المحلية، لم تصدر من رئيس المجلس الرئاسي، بل من أحد أعضائه، في تجاوز صارخ لصلاحيات رأس الدولة. هذه الخطوة فتحت بابًا واسعًا للأسئلة حول معنى الشراكة السياسية، وجدوى وجود مجلس يفترض أنه يقود البلاد بتوافق لا بالانفراد.
قانونيًا، تُعد هذه القرارات باطلة، كونها تصدر من شخص لا يملك الصلاحية الدستورية، وهو ما اعتبره مراقبون دليلًا على جهل سياسي، وبلطجة إدارية، ومحاولة مكشوفة لتقويض الشرعية من الداخل.
تهديد مبطن وابتزاز سياسي
لم يكتفِ الزبيدي بتجاوز صلاحيات الرئيس، بل استصدر بيانًا باسم المجلس الانتقالي الجنوبي، هدد فيه ضمنيًا بفض الشراكة السياسية، متذرعًا بما وصفه بـ"تجاهل الجنوب" ومحاولات الانتقاص من حقوقه. وذهب إلى حد التلويح بأن القرار سيكون "قرار الجنوب وحده"، في رسالة تحمل تهديدًا مباشرًا لمبدأ التوافق الوطني.
توقيت التصعيد، الذي تزامن مع عودة العليمي وأعضاء المجلس، اعتُبر رسالة سياسية واضحة، لا تعكس مجرد خلل إجرائي، بل إعلانًا صريحًا لانقلاب ناعم على الشرعية الدستورية، وضربًا في قلب التوافق الذي وُلد منه مجلس القيادة الرئاسي.
خلفيات اقتصادية ومالية للتصعيد
القرارات الأخيرة لا يمكن فصلها عن السياق الاقتصادي المتأزم، إذ يرى مراقبون أنها محاولة للتهرب من توريد إيرادات أكثر من 168 مؤسسة إلى البنك المركزي، وهي مؤسسات تذهب عائداتها لصالح المجلس الانتقالي، بعيدًا عن الرقابة الرسمية. كما أنها تمثل رفضًا مبطنًا للإصلاحات المالية الأخيرة، التي تهدف إلى ضبط الإيرادات وإغلاق منافذ الفساد.
الزبيدي، بحسب مصادر مطلعة، يسعى من خلال هذه القرارات إلى تعطيل برنامج الإصلاحات، والضغط على الرئيس للحصول على مناصب إضافية، في وقت تعاني فيه الدولة من أزمة اقتصادية خانقة. هذا السلوك، الذي يتزامن مع تأخر صرف الرواتب، يُعد ابتزازًا سياسيًا في لحظة حرجة، ويهدد بانهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة.
ردود فعل وتحذيرات
عضو البرلمان اليمني علي عشال وصف ما حدث بأنه "طعنة في جسد الشرعية"، مؤكدًا أن السكوت عن هذه الخطوة يعني تحول الشركاء إلى شهود زور على تقويض الدولة، وتحويل المرجعيات الإقليمية والدولية إلى أوراق بلا قيمة.
عشال دعا البرلمان لتحمّل مسؤوليته، كما طالب مجلس القيادة الرئاسي بالوفاء بالقسم الذي أقسمه، مشددًا على أن الخطر لم يعد في الأطراف المتربصة من الخارج، بل في شركاء داخل البيت نفسه، يمدّون أيديهم إلى صلاحيات الرئيس، ويعلنون العصيان باسم الشراكة.
صمت الشرعية لم يعد خيارًا بريئًا، بل شراكة ضمنية في انهيار الدولة، يفتح الباب لمزيد من الانقسام والتفكك. فقرارات الزبيدي ليست مجرد تعيينات عابرة، بل إعلان سياسي بأن الجنوب يقرّر وحده، في مواجهة شرعية واهنة تتآكل تحت صمت شركائها.
ويبقى السؤال: من سيحمي الشرعية، إذا كانت الشرعية نفسها تسمح بتآكلها، وتُطعن من الداخل؟