سياسة التنازلات من أجل البقاء أسقطت دولًا وأنظمة، وأسقطت معها منهجية تلك السياسة الفاشلة.
فعلى مرّ التاريخ، لا يوجد رئيسٌ سارع إلى تقديم التنازلات من أجل البقاء في منصبه إلا وكانت نهايته السقوط والانهيار.
التمسك بقيم الدولة وأسسها وقوانينها ودستورها يمثّل أهم عوامل البناء المؤسسي والنهضة الوطنية. ومشكلتنا اليوم تتمحور في قيادةٍ بات مطلوبًا منها تجاوز "الأنا" الضيقة، والتمسك بمكاسب الوطن العليا.
فالرئيس، بصفته موقعًا وظيفيًا وسياسيًا، مؤتمنٌ على منجزات ومكاسب وطنٍ كامل. وأهم تلك المكاسب الحفاظ على السيادة، وحماية الدستور والقوانين، وصون مؤسسات الدولة. ومن يتنازل عن سيادة الدستور، يتنازل في حقيقة الأمر عن شرف مسؤولياته وأمانة موقعه.
الرؤساء، مثلهم مثل الجنود وسائر المناضلين، يضعون أرواحهم على أكفّهم من أجل وحدة بلدانهم واستقرارها وسيادة القانون فيها. وليس في التاريخ أمثلة لبلدان ضحّت بوحدتها واستقرارها، وتشرد شعبها وقُتل مئات الآلاف وجاع الملايين، فقط من أجل أن يبقى الرئيس في منصبه، إلا في بلداننا العربية. واليمن اليوم يمثّل نموذجًا سيئًا لذلك: بلد يُدفَع نحو الانهيار الشامل، شعبٌ يمزّق ويُجوّع ويُقتل، وكل ذلك يهون أمام معادلة مشوهة عنوانها: أن يبقى الرئيس في منصبه ويحكم ما تبقى من اليمن من داخل فنادق الرياض.
هذه المعادلة سقطت، وما يحتاجه الوضع اليوم هو رئيس يقدّم نفسه فداءً لاستعادة سيادة الجمهورية اليمنية ومصالح الشعب. رئيسٌ يعلن بصوتٍ عالٍ: لا لقانون المليشيات، ولا — وألف لا — للشراكة مع جماعات الإرهاب والطائفية وقتلة الشعب.
نحتاج إلى رئيسٍ يلقي خطاباته من وسط الميادين وساحات القتال والرباط، رئيسٍ يهبط إلى الخنادق ليضمّد جراح جنوده ويطبطب على أوجاعهم، رئيسٍ ينظر إلى أبناء الشهداء باعتبارهم مسؤولية وطنية كبرى ويضعهم في سلّم أولوياته.
أما الحديث عن تنازلات جديدة قد يقدمها رشاد العليمي لصالح مليشيات الانتقالي وبلطجيته، فهو يمثل خيانة وطنية صريحة، وإهدارًا متعمدًا لما تبقى من مؤسسات الدولة، وتواطؤًا مكشوفًا مع مشاريع إسقاط الجمهورية.
إن أخطر ما يواجه اليمن اليوم ليس فقط مليشيات الحوثي أو الانتقالي، بل عقلية الاستسلام والتنازل التي تسكن قلوب بعض من يتصدرون موقع القرار. فالتاريخ لا يرحم الرؤساء الذين قدّموا أوطانهم قربانًا لبقائهم، ولا يغفر للشعوب التي صمتت حتى ابتلعتها مشاريع التفتيت.
اليمن اليوم يحتاج رئيسًا لا يساوم على الدماء ولا يبيع السيادة في أسواق التفاهمات، رئيسًا يواجه لا يهرب، ويضحي لا يساوم، ويصرخ في وجه الجميع: اليمن أكبر من كل الصفقات.. وأعظم من كل التنازلات.