•• "اتفاقية الدفاع مع إسلام آباد خطوة استراتيجية، فهل تُترجم بإعادة صياغة العلاقة مع اليمن في مسار استقراري؟" ••
عودة العلاقات السعودية–الباكستانية إلى مسارها الاستراتيجي بتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك ليست مجرد خطوة ثنائية بين بلدين، بل رسالة سياسية بأن الرياض بدأت فعلًا بمراجعة طبيعة علاقاتها الإقليمية والدولية بما يخدم أمنها القومي. وإذا كان البعد العسكري والأمني مع باكستان قد حظي بأولوية عاجلة، فإن اليمن يظل الحلقة الأكثر حساسية والأقرب تأثيرًا في استقرار المملكة والمنطقة. فهل تكون الخطوة التالية إعادة صياغة العلاقة مع اليمن في إطار استراتيجي جديد يعزز الشرعية، ويطوي صفحة المليشيات كأدوات للاحتلال الإيراني والفوضى؟
إن توقيع الرياض وإسلام آباد اتفاقية الدفاع المشترك يعكس توجهًا سعوديًا جديدًا لإعادة بناء شراكات استراتيجية قائمة على المصالح الحيوية والأمن القومي. غير أن هذه المراجعة لن تكتمل دون النظر بجدية إلى الملف اليمني، الذي يشكّل الخاصرة الرخوة للأمن السعودي ومصدر التهديد الأكبر له منذ سنوات.
فاليمن اليوم يعيش حالة تفكك غير مسبوقة، بين مليشيات حوثية مرتبطة بالمشروع الإيراني شمالًا، ومليشيات انتقالية مسلحة جنوبًا، في مقابل شرعية أُضعفت عمدًا عبر تفاهمات تحت الطاولة أفقدتها دورها الطبيعي كحامل للدولة ومؤسساتها. إن التعاطي السلبي واللامسؤول مع هذا الواقع لا يمكن أن ينتج إلا مزيدًا من الفوضى، وهو ما ينعكس مباشرة على حدود المملكة وأمنها الداخلي.
إن استقرار اليمن لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تعزيز الحكومة الشرعية ومنحها القدرة على بسط سلطتها على كامل التراب الوطني، واعتبار المليشيات — أياً كان مسماها — مليشيات انقلابية وكيانات خارج إطار الدولة. ومن هنا، فإن المراجعة المطلوبة في السياسة السعودية تجاه اليمن ينبغي أن تقوم على إعادة الاعتبار للدستور، ودعم مؤسسات الدولة، وإنهاء مرحلة التوازنات المربكة التي منحت الحوثي والانتقالي شرعية الأمر الواقع.
إن نجاح الرياض في إعادة تموضع علاقاتها الاستراتيجية مع باكستان يفتح الباب واسعًا لمراجعة أشمل لسياساتها الإقليمية. لكن الامتحان الحقيقي يكمن في اليمن، حيث لا يمكن للأمن القومي السعودي أن يستقر ما دامت المليشيات الحوثية والانتقالية تسيطر على القرار والسلاح. إن استعادة الدولة اليمنية وتعزيز الشرعية ليست فقط مصلحة يمنية، بل خيار استراتيجي حتمي لأمن المملكة والمنطقة. فكما خطت الرياض خطوة جريئة مع إسلام آباد، فإن الخطوة المنتظرة هي مراجعة سياساتها تجاه اليمن لتضع حدًا للفوضى، وتعيد صياغة العلاقة في سياق استقرار استراتيجي يخدم الشعبين والأمة بأكملها.