قبل أيام سافرت إلى جنيف لحضور جانب من الدورة الخامسة والستين لمجلس حقوق الإنسان، رفقة بعض الزملاء في تحالف "ميثاق العدالة لليمن". كانت الزيارة استثنائية بالنسبة لي، لا لمجرد الحدث بل للجغرافيا ذاتها؛ جنيف التي لم تُخلق لتكون مدينة عادية، بل قلبًا نابضًا يلتقط أوجاع القادمين من شتى بقاع الأرض. قَدَرها ارتبط منذ مبادرة هنري دونان عام 1863، حين اجتمع مع شخصيات مؤثرة وشكّلوا "اللجنة الدولية لإغاثة الجنود الجرحى" التي عُرفت لاحقًا باللجنة الدولية للصليب الأحمر. منذ ذلك الحين صارت جنيف تجمع بين المتناقضات: تنتصر للضحايا، وتؤمّن في الوقت ذاته أموال المستبدين المودَعة في مصارفها.
تنام جنيف في دعة على ضفاف بحيرة ليمان، متوشّحة بثوب الماء الصافي، مسندة ظهرها إلى الجبال الفرنسية كعروس أبدية. تمنحك الدهشة رغم انبساطها المتواضع على الضفاف؛ تتشابك لغات الوافدين في الأزقة كأغصان الصيف، وتتمازج ملامح وجوه القادمين من أقاصي الأرض؛ كل ملامح تحكي وطنًا، وكل عين تختزن حكاية أمل أو خيبة. لم تكن جنيف يومًا محايدة، بل مسرحًا أمميًا ومرآة تعكس الصراع الأبدي بين الحلم الإنساني والهيمنة السياسية، بين صوت العدالة وسطوة المصالح. قال لي أحدهم ذات مرة: جنيف مدينة النفاق والتناقض؛ منحازة للضحايا في مواجهة الطغاة، وحامية أسرار الطغاة وأموالهم المنهوبة من أقوات المقهورين.
وأنت تجتاز شوارعها وأزقتها، تشعر أن كل زاوية تروي حكاية. القادمون من آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية يحملون معاناتهم وكرامة شعوبهم. قصورها الأممية تصطف بملامح برجوازية متخمة بتاريخ مستبد؛ جدرانها تتزخرف بذاكرة إنسان يبحث عن إنسانيته. من مبنى الصليب الأحمر المطل على مجلس حقوق الإنسان حاملًا اتفاقيات جنيف الأربع، إلى قصر ولسون مقر المفوضية، إلى مجلس حقوق الإنسان نفسه، إلى قصور أخرى تنتصب كخيام الشعر الجاهلي في فضاء التاريخ. هنا يتجلى العالم ما بعد الاستعمار: مدن مكرَّسة لإدارة الصراع العالمي، بشيء من النضال الحقوقي منخفض الكلفة وعالي التأثير، لكنه لا يخرج عن قبضة السياسة وصراع النفوذ، حيث تظل الكلمة العليا للدول الكبرى.
في المساء تتراقص على صدر البحيرة خيوط الضوء، والقمر الفضي يطل كقلادة على صدر فتاة عاشقة للحياة. تمنح المدينة معنًى دافئًا ورومانسيًا، لا يعكره إلا قوارب صغيرة تشق وجه القمر جيئة وذهابًا. قبيل الغروب تجولت برفقة أصدقاء، والنافورة الشهيرة تقفز في السماء كأنها تبوح بأسرار البحيرة المدفونة؛ تلك البحيرة التي احتضنت يومًا صرخات الغاضبين واليائسين من كل المنافي. شوارعها وكافيهاتها بدت أقل صخبًا، وكأن شيئًا ما قد غادرها، وكأنها فقدت ملامحها القديمة. لم تعد جنيف الحقوقية التي عرفتها، بملامح النشطاء البسطاء القادمين من بعيد، يحملون الدهشة وعناء السفر. جلست أتأمل طويلًا، ودخلت في صمت داخلي. تساءلت عن التغيرات المتسارعة من حولنا، وعن جنيف كمرآة لهذه التحولات. داهمني الظلام مع هبّات الهواء البارد، فقلت في نفسي: ربما يمنحها الصباح وجهًا جديدًا يعيد إليها بريقها. تابعنا المسير نحو البحيرة، حيث النافورة الصاخبة تقذف المياه عاليًا، تعانق أضواء المدينة وتنثرها في العتمة، كأنها تمنح العالم متعة إضافية لا تُخطئها الروح.
في الصباح الباكر، كعادتي، استيقظت عند الخامسة. أخذت فنجان قهوتي وجلست أرقب حركة الناس وسكون الماء على البحيرة. النسائم التي تهب منها تداعب جفونك لكنها أثقل من أي نسائم أخرى؛ أثقلها صدى الضحايا. في واجهات المباني الأممية تقرأ حكايات طويلة غير مكتوبة، وفي أروقة المؤتمرات تلمح آثار أقدام الذين جاؤوا محمّلين بملفات وصرخات ونداءات. هنا يُعاد تشكيل العالم بلغة باردة من البيانات، وتُختبر الإرادة الإنسانية أمام أقسى امتحاناتها.
ذهبنا باكرًا إلى المجلس، كما اعتدنا، لنأخذ أماكننا في الطابور الطويل لاستلام بطائق الدخول في أول أيام الدورة. لكن المشهد لم يكن كما عرفناه: لا زحام، لا هرولة، لا ضجيج يسبق الجلسات. زخّات المطر جمعت القادمين القلائل تحت مظلة صغيرة أمام النوافذ، يدخلون في صمت دون انتظار. كان المشهد رمزيًا أكثر منه واقعيًا: مؤسسة فقدت زخمها، وروح كانت تفيض بالحياة غدت باهتة، كأنها استسلمت لبرودة المطر وخفَتت كما يخفت صوت المدينة عند آخر الليل.
في زياراتي السابقة كان البهو الفسيح الذي يحتوي على بوفيه والمطل على البحيرة يعج بالحركة: وقع الأقدام النشطة لا يتوقف، ملصقات إعلانات الندوات تملأ الجدران، الأحاديث الجانبية متشابكة، اللقاءات الخاطفة لا تنتهي، الضحكات تخترق السكون، والأصوات ترتفع في نقاشات تشعل الضمير العالمي. كان المشهد سوقًا كونية للأفكار والأحلام؛ تُعقد فيه تحالفات صغيرة، وتولد صداقات عابرة، وتُكتب على عجل صفقات أكبر من أصحابها.
أما اليوم فالمشهد موحش. الأروقة ساكنة، النوافذ مطفأة، المكان الذي كان يغلي صار ظلًا باهتًا. النظام الإداري تغيّر، والشكوى من التضييق تتردد. البهو فارغ إلا من مجموعات متفرقة، متكورة على نفسها كأنها بقايا صور فقدت ألوانها. الوجوه التي ألفتها اختفت؛ بعضهم غادر، وبعضهم فقد إيمانه بجدوى المسرح. المبنى الذي غطته السقالات وأعمال الترميم بدا كرمز شفاف لمؤسسة تحاول أن تُرمم جدرانها فيما يتداعى معناها.
قال لي صديق فلسطيني مقيم في جنيف حين سألته عن هذا الموات: غزة هي كلمة السر. الفشل في إدارة ملف غزة كان لحظة الحقيقة التي وضعت المؤسسة الأممية في امتحان صارم، فأعلنت النتيجة: عجز فاضح، وقدرة مذهلة على امتصاص غضب الغاضبين، بينما المصالح الاستعمارية تمسك بزمام المبادرة. لمست هذا الموات عند البوابة الرئيسية: لا طوابير كما الأمس، لا شغف كما الماضي، المكان أشبه بمسرح فارغ بعد أن أُطفئت الأضواء.
في عيون الناشطين الذين بقوا يطل انكسار موجع: لا جديد يُرتجى. الفعاليات تقلصت، الكلمات تكررت، الحضور صار روتينيًا بلا بريق. المقرّرون والمسؤولون، الذين كانوا يومًا يتقدون بالحيوية، باتوا يشتكون أكثر مما يُصغون، ويعبّرون عن عجزهم أكثر مما يجسدون التزامهم. إنهم صورة لشيخوخة المؤسسة.
يسود هاجس انسحاب أمريكا كظل ثقيل يخنق النقاشات. أزمة التمويل تتكرر كأغنية حزينة لا تنتهي. فالمؤسسة التي ترفع شعار حقوق الإنسان في جوهرها انعكاس لسياسات الدول ومصالحها، فلا يُنتظر منها أن تنتج قرارات مثالية. بعض المقررين يسألك بدهشة جارحة: هل ما زال هناك صراع في اليمن؟ كأن بلدًا كاملًا قد مُحي من الذاكرة، وكأن دماءه لم تعد صالحة لإثارة القلق، بينما السودان يُستنزف وغزة تنزف. ربما دمنا في اليمن قد جفّ في عيونهم.
التقينا عددًا من المبعوثين والمقرّرين والبعثات، لكنهم لم يعودوا يثيرون الدهشة. لم يعد لديهم ما يقدمونه سوى بروتوكول رتيب وحديث مكرور. الجلسات التي كانت تُبث كصراع أفكار صارت اتفاقات سياسية تُصاغ في غرف مغلقة، بعيدة عن وجع الضحايا. المؤسسة الأممية تضعف مع كل تقلب في سياسات الكبار. في زمن ترامب تقلصت البعثة الأمريكية من ثلاثة عشر موظفًا إلى ثلاثة فقط، ثم انسحبت كليًا، وكأنها جردت المجلس من آخر ما تبقى له من معنى.
وحين ينتهي المجلس، ينتهي بصمت باهت. لا صخب، لا جدالات طويلة، لا نقاشات تمتد حتى الليل. الأصدقاء الذين كنت ألقاهم كُثُر، لكن معظمهم غادر، مشغولون بأعمال أخرى أو طرق جديدة للنجاة. جنيف التي كانت تضج بمواكب الضحايا والمدافعين صارت باردة، كأنها تطوي فصلًا من تاريخها، وتغلق زمنًا كان أكبر من جغرافيتها.
ويبقى السؤال المعلّق: ما الذي ينتظر هذه المؤسسة وسط هذا الاستقطاب السياسي العنيف؟ هل ستولد من جديد بروح صادقة مع مبادئها، أم أنها تسير إلى مصير عصبة الأمم التي غرق إرثها في أرشيف التاريخ؟ ربما تستمر سيول القرارات بالتدفق، لكنها ستجف سريعًا على الورق، تاركة خلفها جدرانًا صامتة تطل على بحيرة ليمان، شاهدة على خيبة أمل كونية في مؤسسة حلمت البشرية أن تكون ضميرها الحي.
وربما السؤال الأعمق: هل فقدت هذه المؤسسات روحها منذ أن سلّمت مفاتيحها لمصالح الدول الكبرى؟ وهل تملك فرصة لإنقاذ ذاتها قبل أن يطويها النسيان كما طوى عصبة الأمم؟ إن جنيف، وهي تراقب صمت البحيرة عند شفق المساء، تبدو كمن يهمس للعابرين: العدالة ليست قاعات ولا جدران، بل إرادة بشرية؛ إن غابت ماتت المؤسسة، وإن حضرت بُعثت فيها الحياة من جديد.