- تفقد القوة معناها عندما تنتقل من حماية الحق إلى سلطة بلا ضابط ولا غاية عامة تخدم الإنسان والعدل. والدولة بما تحتكره من استخدام القوة وما توفره من قانون وقضاء ورقابة هي الوعاء الذي يمنح هذه القوة شرعيتها، ويحولها من طاقة خام إلى حق عام بقرارات معلنة ومحاسبة شفافة. ويقتضي ذلك اندماج جميع الفصائل المسلحة، أيا كانت مسمياتها ومبرراتها، في مؤسسات الدولة (الجيش والأمن) التي تتولى حمل السلاح وتنظيمه؛ فحمله خارجها يفتت القرار، ويستنزف المجتمع، ويسقط الشرعية.
- عندما تمارَس القوة ضمن خطة دفاع وطنية وصلاحيات واضحة، تتحول نتائج الميدان إلى قدرة وطنية رادعة للخصم ومقنعة للمواطن. أما خارج هذا الإطار فتتعاظم الكلفة السياسية والمالية، وتغيب الشفافية، فيضعف القبول العام. والاندماج المؤسسي يعني قيادة موحدة، وتمويلا وتسليحا عبر الخزينة، ورتبا وانضباطا تحت قانون واحد؛ وبذلك تمنع تضارب الأوامر وتعدد الولاءات، ويظل الحسم عند الدولة.
- والمجتمع أوسع من أي تنظيم؛ فادعاء التمثيل الحصري يغلق مجال التصحيح، ويحول القوة إلى أداة قسر تقصي المخالف، فتفقد المقاومة سندها الأهم: تنوع الناس وما يتيحه من أفكار وكفاءات ورقابة اجتماعية.
- كما أن التخوين وشيطنة المخالف يهدمان الثقة لأنهما يستبدلان النقد الجاد بالضجيج؛ في مقابل الخطاب المنصف والرشيد الذي يعترف بحق الاعتراض ويحفظ الكرامة، فيبقي القوة قوة مجتمع.
- ولتفادي الزبائنية، وبخاصة صيغتها الميليشياوية، لابد من فصل وظائف القوة عن المدني والخدمي والديني: فقرار احتكار السلاح يندرج ضمن خطة معلنة تنفذها مؤسستا الجيش والأمن فقط، والخدمات تتولاها مؤسسات مدنية تحت رقابة علنية، والمال العام يدار بشفافية تبين للمواطن مصدره ووجهته. وعند تطبيق القانون على الجميع بلا استثناء تتعزز الثقة بالمؤسسات، ومع الثقة يقبل المواطن بنفس راضية التكاليف والمهام لأنها للصالح العام.
- أما التحالفات فتقاس بمعيار واحد: حماية الناس وخفض الكلفة الإنسانية مع إبقاء القرار النهائي في يد مؤسسات الدولة؛ وما لم يتحقق ذلك يتحول عبئا لا يحتمله بلد يطلب استقرارا وعيشا كريما.
- خلاصة القول إن القوة التي يحرسها القانون وتديرها الدولة ويراقبها المجتمع هي التي تحمي الناس وتخدم العدالة؛ أما إبقاء السلاح خارج مؤسسات الدولة، مع احتكار التمثيل وشيطنة المختلفين، فيسقط الشرعية ويبدد التضحيات.
- والمخرج الآمن لذلك هو الاندماج الكامل للفصائل والميليشيات والتكوينات المسلحة في مؤسستي الجيش والأمن ضمن خطة دفاعية واحدة، وخطاب سياسي يحترم الاختلاف؛ عندها تتحول تضحيات الأمس إلى أمن اليوم، ورفاه الغد.