;
سيف محمد الحاضري
سيف محمد الحاضري

من اغتيال أفتهان المشهري إلى اغتيال تعز: حين تُقتل المدينة مرتين" 329

2025-09-19 18:34:31

اغتيال أفتهان المشهري لم يكن حادثة جنائية معزولة بقدر ما كان طعنًا مباشرًا في قلب مدينةٍ مثخنة بالجراح، وتعز تحديدًا تعرف معنى أن تُستهدف رموز الخدمة العامة فيها؛ فالوصول إلى مدير صندوق النظافة ليس استهدافًا لشخصه فحسب، بل محاولة لإرباك دورة الحياة، وشلّ قدرة المدينة على الوقوف فوق ركام الحرب واستكمال ما أمكن من خدمات للناس. لذلك فإن الواجب الأول والملحّ هو القبض على الجناة وتقديمهم للعدالة، بلا مساومة ولا انتقاء، وبإجراءات مهنية تُراكم الثقة بدل أن تهدرها.

غير أن ما تلا الجريمة لا يقل خطورة عنها: حملاتٌ صاخبة تتجاوز النقد المشروع إلى التحريض الأعمى على المدينة وجيشها وأمنها. هذا النوع من الحملات لا يُعين التحقيق ولا يُقرب العدالة خطوة، بل يمنح القتلة فرصة الهروب بين ضوضاء الاتهامات العامة والمزايدات السياسية. حين يتحول الألم إلى منصة لتصفية الحسابات، تُدفن الوقائع تحت ركام الشعارات، وتتبعثر خيوط الجريمة بين اتهامٍ جماعي بلا دليل وتشكيكٍ شامل في مؤسساتٍ تعمل في ظروفٍ استثنائية. وهكذا، بدل أن تُعقّد الحياة على المجرمين، تُعقَّد على المحققين.

المطلوب اليوم تحليل بارد لعناصر المشهد: مدينة محاصرة جزئيًا منذ سنوات، خطوط تماس، خصومٌ يتربصون لتعميق الانقسام، مؤسساتٌ أمنية وعسكرية تعمل تحت ضغوط تمويل وتشغيل وتسليح، ومنظومة سياسية تتردد في تسمية الأشياء بأسمائها. في هذا المناخ، يصبح أي خلل إداري أو أمني وقودًا لحملات منظمة تُشيطن الجيش والأمن، وتُصوّر تعز وكأنها خصمٌ للوطن لا درعه. والحقيقة أن الجيش والأمن في تعز تحمّلا، طويلًا وبصمتٍ أغلب الوقت، كلفة الدفاع عن المدينة والجمهورية: من نقاط الاستنزاف في الأحياء العالية والمنخفضة، إلى خطوط الإمداد التي لا تستقر يومًا على حال، إلى معارك الدفاع عن الطريق إلى باب المندب، بما يحمله من دلالاتٍ سيادية واقتصادية لكل اليمن.

التضحية هنا ليست شعارًا؛ هي آلاف الجراح المفتوحة، ورفاق سلاحٍ غابوا، وأسرٌ تحملت ما لا يُحتمل، وكتائب ما زالت تُسيّر واجبها اليومي وهي تُطارَد باتهاماتٍ ظالمة حينًا، وبالحرمان من المرتبات والمخصصات حينًا آخر. ومع كل ذلك، ظلّت عقيدة جيش تعز وأمنها وطنية صِرفًا: لا كنتونات تُدار من وراء الحدود، ولا ولاءاتٍ مشروطة بتدفقات المال والسلاح الخارجي. إن استقلال القرار ـ بقدر ما تسمح به ظروف الحرب ـ هو ما حفظ للمدينة بوصلةَ جمهوريتها، ومنح مؤسساتها الحد الأدنى من الشرعية الأخلاقية والمهنية في نظر الناس.

العدالة الحقيقية تتطلب مسارًا مهنيًا واضحًا: فريق تحقيق جنائي محترف، نيابة عامة فاعلة، تتبع لخيوط الأدلة المادية والرقمية (كاميرات، اتصالات، مسار حركة، سلاح الجريمة)، حماية للشهود، وشفافية مدروسة تُطلع الرأي العام على التقدم من دون أن تُحرق أوراق القضية. والأهم: كفّ اليد السياسية والإعلامية عن توجيه التحقيق بالوصم الجماعي، والامتناع عن تحويل المؤسسات الأمنية إلى “متهمٍ افتراضي” كلما وقعت جريمة. إن الضغط المشروع يكون في تمكين تلك المؤسسات لا في تجويعها أو تحطيم معنوياتها.

كما أن إنصاف الجيش والأمن لا يكون بالمديح الخطابي فقط، بل بإعادة هيكلة مواردهم وحماية سلاسل الإمداد، وتثبيت القيادات بالكفاءة لا بالمحاصصة، وربط المساءلة المهنية بميزانياتٍ كافية وتفويضٍ واضح. هذا هو الطريق الوحيد للفصل بين منطق الدولة ومنطق العصابات: دولةٌ تُحاسِب وتموّل وتُدير وفق القانون، لا سلطة تُطالِب بالنتائج وهي تسحب الأدوات من أيدي رجالها.

في النهاية، اغتيال أفتهان المشهري هو اختبارٌ مزدوج: اختبارٌ لعدالةٍ لا تُساوم ولا تُسيّس، واختبارٌ لوفائنا لمدينةٍ دفعت فاتورة الدفاع عن الجمهورية أكثر مما يُحتمل. إن الجيش والأمن في تعز ليسا خصمين يجب التشهير بهما كلما داهمتنا الفاجعة، بل هما السياج الأخير الذي أبقى للمدينة اسمها ومكانتها. تكريم دم أفتهان يبدأ بالقبض على قاتليه، ويستكمل بتجريم حملات التحريض التي تغتال المدينة معنويًا، وبرد الاعتبار لجنودٍ يقفون كل يوم على خط النار كي يظل لنا ما ندافع عنه. هذه ليست معركة بين مدينة وأخرى، ولا بين مؤسسة وجماهيرها؛ إنها معركة على تعريف اليمن نفسه: دولةٌ يحميها جيشها وقانونها، أم ساحةٌ تُدار بمنطق الاغتيال والانتقام. ونحن اخترنا ـ وسنظل نختار ـ الدولة.

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد