جريمة اغتيال الشهيدة أفتهان المشهري، مديرة صندوق النظافة، ليست حدثًا معزولًا ولا استثناءً في سجل تعز المثقل بالدم، فالمدينة شهدت عشرات الجرائم المماثلة ارتكبها مسلحون تابعون لنافذين، أو بعض رجال الأمن، أو أفراد في الجيش، لتنتهي – في أغلب الأحيان – إما بالقبض على الجاني ثم إدخال القضية في دائرة النسيان، أو بصلح عرفي يكرّس الأزمة بدل معالجتها.
هذه الوقائع تكشف أن المشكلة الأمنية أعمق من مجرد فعل فردي، فهي نتاج بنية الحرب السياسية والاجتماعية المأزومة التي بدت مبكرًا بقتال رفاق البندقية، حيث تداخلت فيها مصالح النفوذ مع غياب تعز عن أولويات الدولة المركزية، هذا الغياب منذ البداية خلق قوى تمارس سلطتها كدولة خارج الدولة، وكانت مهمتها الأولى حماية أفرادها المجرمون والقتلة، مما عزز الإفلات من العقاب وساهم في إشاعة سلك الفيد، وسلوك الفساد.
لقد انعكست كل ذلك على قوة النسيج الاجتماعي التعزي الذي أنهكته الحرب والتجاذبات، حيث بدا هشًا يعاني من الانقسامات والاختراقات الخارجية، في مقابل المجتمع المدني الذي فقد دوره الرقابي والضاغط، حيث تقلص دوره في الانفعال الوقتي عند كل جريمة، فيظهر غاضبًا ثم سرعان ما يخفت بانتظار مأساة جديدة، بعدما جرفته الاستقطابات السياسية إلى خطاب منفعل عاجز عن الغوص في جذور المشكلة.
أمام هذه الجريمة المروعة، يصبح من الضروري تفكيك البنية المنتجة للعنف تفكيكًا شاملاً: اجتماعيًا وثقافيًا وفكريًا وأكاديميًا. وهذه ليست مهمة الأجهزة الأمنية وحدها، بل مسؤولية جماعية تتطلب حشد طاقات المجتمع المدني، والجامعات، والمراكز البحثية، والصحافة المستقلة، والنخب الفكرية، من أجل تحليل الجذور المتشابكة للمشكلة وصياغة حلول عملية يكون المجتمع برمته حارسًا على تنفيذها. تعز لا يجب أن تُترك لتجار السياسة والحزبية الضيقة، بل تحتاج إلى وعي جماعي يحميها من الاستغلال والعبث، ويحافظ على أي منجز إيجابي أو تطور أمني يبرز في المدينة، فلا ينجر إلى خطاب شيطنة تعز، المدينة والجغرافيا، لأن كل تقدم – مهما بدا محدودًا – يمثل بذرة أمل لا يجوز التفريط بها.
وسط هذا الخضم، لا ينبغي أن تبقى الدولة المركزية الغائب الأكبر عن المشهد. فهي مسؤولة عن جزء كبير من الفوضى حينما انسحب أبناؤها في تعز يشغلون السلطات الثلاث، ولم يتدخلوا لوضع حد لهذه الفوضى، وفرّغت تعز من سلطتها السياسية لصالح قوى مسلحة قادمة من الجبهات ونافذين لم تتدخل الدولة لكبحهم أو إنهاء نفوذهم. واليوم على رئيس مجلس القيادة ورئيس مجلس النواب الذين ينتميان إلى تعز أن يتحملا مسؤولية مباشرة عما يجري ما لم يسارعا إلى احتواء الأمر، وتشكيل لجنة تحقيق يشرفان عليها بصورة مباشرة للتحقيق في كل الاختلالات السابقة، ومسؤولية الفاعلين في تعز مدنيين وعسكريين، وإقالة كل المتسببين في هذه الفوضى، وإحالتهم إلى القضاء للمحاسبة، وهذا يتطلب منهم العمل كدولة لا كمشايخ، مع كافة أبناء تعز، الذين لديهم رغبة واستعداد كامل على دعم جهود فكفكة بنية القتل، فاليوم أمام فرصة قد لا تتكرر في اجتماع تعز على تطهير تعز من القتلة، وفرض سيادة القانون، وفتح كل ملفات القتل والنهب المنظم الذي حدث في السابق.
وفي النهاية، دعوة للمجتمع المدني أن ينهض من سباته، ويقوم بدور الحارس والرقيب على أي انحرافات، بل يكون شريكًا ومساهمًا في الانتصار للإنسان، فلحظة الغضب يجب ألا تحجب عنا دورنا الكبير كضامن حقيقي لإعادة الاعتبار لتعز، وصون مدنيتها، وحمايتها من الانزلاق أكثر في دوامة العبث.