;
سيف محمد الحاضري
سيف محمد الحاضري

من “إعادة التموضع” إلى “إعادة التموُّن”: معارك جانبية تُسقِط مشروع الدولة 340

2025-09-21 23:32:25

ليست الحكاية مجرد انسحاب تكتيكي من الحديدة وما سُمّي حينها “إعادة التموضع”، بل هي تحوّل في بوصلة العداوة ذاتها. فمنذ ذلك اليوم بدا واضحًا أن العدو لم يعد الحوثي وحده، بل صار الخصم الداخلي في الإصلاح أو الجيش الوطني هو الهدف الذي تُوجَّه نحوه البنادق وتُصرف له الأموال وتُستنزف فيه الطاقات. قيل إن ما جرى كان خطوة عسكرية محسوبة، لكن ما تكشّف على الأرض أثبت أن الأمر لم يكن سوى “إعادة تموين” بالمال الخارجي لتغذية معارك جانبية، جعلت تعز ومأرب وسيئون ميدانًا لحروب لا علاقة لها بمشروع استعادة الدولة.

منذ ذلك التاريخ، لم يختلف الخطاب كثيرًا عن خطاب 2014 الذي سبق سقوط صنعاء؛ فقد استُبدل العدو الوطني الجامع بعدوٍّ داخلي بديل. صارت الأخطاء الفردية للجيش والأمن تضخَّم وتُحوَّل إلى معارك إعلامية كبرى، بينما جرائم الحوثي تُمرَّر وكأنها تفاصيل عابرة. تحوّل النقد إلى تشهير، والتحليل إلى تحريض، والخطاب إلى أداة لإضعاف البنية المؤسسية الوحيدة التي تحمي ما تبقى من الجمهورية. ومع كل دولار يُصرف وكل ساعة بث إعلامي تُشترى، يبتعد الوطن خطوة عن مواجهة عدوه الحقيقي ويقترب أكثر من التفكك.

الواقع أن كل معركة جانبية تخلق اقتصادًا صغيرًا للأزمة، له مقاولوه وكتابه ووسطاؤه، فيما المستفيد الأكبر هو الحوثي الذي يرى خصومه يستنزفون بعضهم نيابة عنه. وما يُصرف من المال والجهد لتفكيك تعز أو شيطنة مأرب أو محاصرة سيئون، هو في حقيقته كلفة ضائعة كان يمكن أن تترجم إلى تقدم على جبهة صنعاء. كل حملة تحريضية ضد الجيش تساوي معنوياتٍ محطمة على خطوط النار، وكل تشكيل مسلح خارج وزارتي الدفاع والداخلية يفتح ثغرة سيادية يستغلها الخارج والداخل معًا.

وحين يتحول الجندي المرابط في خندقٍ محاصر بلا راتب ولا تغذية ولا ذخيرة إلى مادة للاتهام والتقزيم، فإن الرسالة واضحة: لم يعد المطلوب دعم المقاتل، بل تحطيمه معنويًا. وهنا يتحول التشهير إلى سلاح أشد فتكًا من رصاص العدو، لأنه ينخر الثقة بين المجتمع وجيشه، ويزرع البرود في الحاضنة الشعبية، ويعيد إنتاج مشهد 2014 بوجوه وأماكن مختلفة، لكنه هذه المرة يجري أمام أعين شعب أكثر وعيًا، وشهداء دماؤهم تصنع مناعة ضد تكرار الخديعة.

المفارقة الموجعة أن من يقفون وراء هذه الحملة حين يرفعون شعار "تحرير صنعاء" هم ذاتهم من تُدار مواردهم ورواتبهم وقرارات تموضعهم من الخارج. من يزعم تحرير الوطن وهو مرتهن لتموين خارجي لا يحرر، بل يؤجّر قراره. ومن يجعل الإصلاح خصمًا قبل الحوثي، أو يسكب حقده على جيش يقاتل وهو بلا رواتب ولا مؤن، فإنه لا يوجّه سهامه إلا لصالح المليشيا.

اليوم لا مجال لمزيد من التضليل. المسألة لم تعد لعبة عناوين، بل قضية بقاء الدولة. فإما جيش يُصان ومعركة تتوحد بوصلتها نحو الحوثي، أو معارك جانبية تُغذيها إعادة التموُّن فتسقط الفكرة ذاتها التي اسمها الجمهورية. والاختيار هنا واضح: من يريد أن يكون في صف الوطن فعليه أن يبدأ بتحرير نفسه من التبعية قبل أن يتحدث عن تحرير صنعاء. أما الذين اختاروا طريق التشهير والولاءات الرخيصة، فليتحملوا كلفة وقوفهم في الصف النقيض، لأن التاريخ لن يرحم، والجغرافيا لا تعترف إلا بمن يملك الشجاعة لتوجيه بندقيته إلى العدو الحقيقي.

وليعلموا جميعًا أن المشهد الذي نجحوا في صناعته عام 2014 لن يتكرر؛ فقد تعلّمنا الدرس جيدًا وثمنه كان دماء شهداءٍ أطهارٍ وسواعدٍ لم تَهِن. لذلك لا تمنّوا أنفسكم بما لم تستطع بنادق أعداء الجمهورية حين كانت مجتمعه تحقيقه في تعز؛ فهنا صنعت التضحيات جيلاً لا يساوم على وطنه.

إن الواجب الآن على كل غيورٍ أن يقف مع جيشه، لا أن يطلق العنان لأحقاده؛ وأن يجعل من دم الشهداء عهداً لا عبوراً لمن يسعى لتفتيت الوطن. من يريد الوحدة فليبرهن عليها بسلوكٍ يعزّز الدولة؛ ومن يحارب الوحدة فليعلم أن التاريخَ في صفّ من اختار الوطن، وأن تعز ومأرب وسيئون لن يسمح بتحويل تضحياتهم إلى سلعة تُسوَّق في أسواق التفرقة ومحطة نفايات لأحقاد "جهال" الأمس .. وهم يعرفون أنفسهم جيدا كما أعرفهم أنا جيدا .. 

المرحلة تتطلب مواقف الرجال الحاملين هم وطن وشعب تعداده اكثر من 30 مليون يتحملون مسؤوليتهم اليوم .. 

والله المستعان

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد