المسيرة الاحتجاجية التي انطلقت من مسقط رأس الشهيدة إفتهان المشهري، ينبغي أن تبقى في إطار الطابع الاحتجاجي المدني، والهادف إلى تحفيز السلطات المعنية بإنفاذ العادلة في حق المتورطين في اغتيال الشهيدة ومن خطط لهم والجهات المعنية التي تقاعست عن القيام بواجبها في منع الجريمة قبل وقوعها. ولا يجب أن تُمنح الفرصة لمن يخطط لتسميم هذه المسيرة وحرف أهدافها العادلة.
لقد سبقت هذه المسيرة تطورات بالغة الأهمية تتمثل في تسليم معظم من تطالهم الاتهامات بارتكاب جريمة الاغتيال، بفضل التدخلات العقلانية للوجهاء من أبناء المخلاف وعلى رأسهم قائد المجلس الأعلى للمقاومة الشعبية الشيخ حمود المخلافي، الذي انهمك طيلة الأيام الماضية في متابعة حثيثة مع هؤلاء الوجهاء للإمساك بالجناة وتسليمهم للعدالة بأسرع وقت ممكن.
إن الحكمة والعقلانية والوعي الوطني لا ينبغي أن تغيب أبداً عن هذه المسيرة، وهذا يقتضي تحييد كل المتربصين بتعز المرتبطين بالأجندات الخارجية والداخلية الموحلة في الأحقاد الأيديولوجية إلى حد أن إحداهم تعمدت أن تضع حزب مشارك في السلطة الشرعية في دائرة الاستهداف السياسي والشعبي الشامل والمقاطعة بدلاً من الحوثة في استثمار انتهازي لحادثة القتل التي طالت مناضلة من طراز رفيع اختارت العمل في خدمة المجتمع وسط كل هذه التحديات، في وقت توفرت لها فيه فرصة العيش بعيدا عن كل هذه المتاعب.
ضمن هؤلاء المتربصين هناك عدد موتور من المثقفين العميقين والمنحلين، ذهبوا أبعد مما يحتمله حادث الاغتيال الإجرامي في تعز، وأعادوا إحياء دورهم اللاوطني حينما تحولوا بكتاباتهم وتحريضاتهم وانحيازاتهم؛ قبل 21 سبتمبر 2014، إلى حصان طروادة الذي ركبه الحوثة في طريقهم إلى صنعاء وأجزاء واسعة من البلاد، قبل أن تتوسع دائرة الحرب، وتجبر هؤلاء اليساريون وشبه الليبراليين على التموضع ضمن جبهة الدعم السخية للممولين الإقليميين.
يمضي هؤلاء للأسف في مهمتهم، وهاهم يعيدون الكرة في محاولة لتوظيف نكاياتهم وكتاباتهم من أجل ترتيب انقلاب جديد في محافظة تعز؛ التي دفعت ثمناً باهضاً في هذه الحرب، وتنفست الصعداء بإخراج الحوثة وحلفائهم من الجزء الأكبر من مركز المحافظة. وليس غريباً أن يكون هدف هؤلاء الموتورين؛ ذات الحزب ورجاله ومقاتليه الذين خاضوا معركة تحرير تعز وقدموا التضحيات الغالية.
خلال معركة تحرير تعز لم تكف تلك المجموعة عن شيطنة المدافعين عن تعز، بل ذهبت أبعد من ذلك، فقد وفرت الغطاء للعناصر الإرهابية التي تجمعت في الأجزاء المحررة من مركز المحافظة وأقامت إمارتها الخاصة وسط ترحيب من هذه المجموعة وبدعم عسكري إقليمي مفتوح.
جزء من حملة استهداف تعز تستهدف الشيخ حمود سعيد المخلافي، ودائما تبقى علاقة الرجل بالإصلاح هي المحرك الأساسي للحملة المشبوهة والخطيرة التي تتورط فيها هذه المجموعة من الكتاب والناشطين اليساريين وشبه الليبراليين.
لا يمكن لهؤلاء أن ينجحوا في تمرير انقلاب آخر، وتصفير الإنجازات الوطنية والتضحيات الغالية التي قدمت ثمناً لتحرير تعز. ولا يمكن لأي منصف أن يتجاهل الآلاف من الذين تضمهم مقبرة الشهداء في شمال مدينة تعز والذين جسدوا ولايزال المناضلون في الجبهات يجسدون حالة الالتحام الوطني في معركة تقرير مصير الوطن.
أنا على يقين بأن والد الشهيدة افتهان الأستاذ محمد المشهري القنصل الفخري لليمن في تركيا وهو صاحب الكلمة الأولى في هذه المسيرة، سيكون حريصاً على إبقاء أهداف المسيرة قانونية وإنسانية وأخلاقية وحريصة على العدالة فوق أي اعتبار آخر.
الذين قدموا اليوم في مسيرة العدالة من الريف الغربي للمحافظة، سيجدون بانتظارهم الآلاف من أبناء المدينة الذين ينتمون لكل مديريات المحافظة، ويحملون الإصرار ذاته على تحقيق العدالة في الجناة وإعادة إصلاح بنية السلطة المحلية والأجهزة الأمنية والعسكرية والقبض على كل مرتكبي جرائم القتل السابقة وتحرير العقارات وإعادتها إلى أصحابها.
إن هذه المسيرة توفر فرصة ثمينة لأبناء محافظة تعز لكي يتحدوا ويقفون معاً أمام التحديات، ويعيدون صياغة واقع المحافظة وفقاً للقيم العليا التي يؤمنون بها، وليضمنوا بقاء محافظتهم ركيزة أساسية للوحدة الوطنية وللجمهورية والمواطنة المتساوية.