في صباحٍ تلبّد بغيوم الخديعة وارتفعت فيه رايات الظلام على أنقاض الحلم الجمهوري، تحلّ ذكرى نكبة ٢١ سبتمبر لتفضح عقدًا من الخراب الذي زُرع في قلب اليمن ويمتدّ ظله الثقيل على كل بيت وقرية ومدينة، فاليوم الذي يصرّ الحوثيون على الاحتفاء به ليس إلا مناسبة لتكريس مشروعٍ كهنوتيٍّ مغلق أراد طمس ثورة السادس والعشرين من سبتمبر وإعادة الاستبداد بوجهٍ جديد ينهل من ماضٍ إمامي متقادم ويتوشّح شعارات زائفة عن المقاومة والصمود بينما هو في جوهره انحياز فاضح لمحاور فارسية وأجندات دخيلة، فقد جاء انقلابهم لا ليبني وطنًا بل ليقيم حكمًا يقوم على التمييز الطبقي وامتيازات السلالة ومصادرة حق المواطنة المتساوية.
وفي ظلّ هذا المشروع تحوّل المجتمع إلى أطيافٍ من العبيد يرزحون تحت سلاسل الجبايات وأدوات القمع ويُساقون إلى جبهات الموت، ومع مرور الأعوام تهاوت مؤسسات الدولة الواحدة تلو الأخرى، وتفتّتت الروح الوطنية، وانهار الاقتصاد حتى بات اليمنيّ يقاتل الجوع قبل أن يقاتل الحرب، فيما تترسّخ شبكة ميليشياوية لا ترى في الوطن سوى صفقة للبيع على موائد الخارج، ويقف الشعب أمام واقعٍ اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي متدهور تتناسل فيه البطالة والفقر والمرض، ويُغذّى الانقسام المذهبي والعرقي بهدف تمزيق النسيج الوطني والعربي على السواء، ولم يكتفِ الحوثيون بإشعال حرائق الداخل بل سعوا إلى توسيع دائرة الصراع ليهدّد الإقليم ويقوّض ميثاق الأمم المتحدة وكل مساعي التعايش السلمي، وها هم بعد عشر سنوات من هذه النكبة يحتفلون بما لا يُحتفل به: دمار البيوت، تيه الأجيال، وانطفاء أحلام الجمهورية، بينما يظل اليمني العادي، الذي دفع أثمان الحرب والحصار والتهجير، شاهداً على أن هذا اليوم لم يكن يوم نصر بل يوم خيانة وطنية كبرى وخسارة تاريخية للثورة والجمهورية والوحدة.
إن نكبة ٢١ سبتمبر لم تكن حدثاً عابراً، بل مأساة متجذّرة تختزل عشر سنوات من الوجع اليمني، وتطرح على الأجيال القادمة سؤالاً وجودياً: كيف لبلدٍ قدّم أبناءه أرواحهم فداءً للحرية والجمهورية أن يجد نفسه بعد نصف قرن مكبّلاً بقيود كهنوت جديد؟ سؤال يظل مفتوحاً، لكنه يضع الحقيقة عارية أمام الجميع: لا حرية مع الكهنوت، ولا وطن مع العمالة، ولا سلام مع من يحتفلون بالدمار.