اللواء حمود خالد الصوفي شخصية أعرفها عن قرب، وأكنّ له كل احترام، وهو في تقديري من أبرع صائدي الفرص في المشهد السياسي. لا يضع اسمه في أي موقع إلا وهو واثق من النتائج أو ضامن لأن يكون شريكًا في صناعة حدثٍ ثقيل ومدروس. لذلك فإن ظهوره الأخير في ساحة تعز عبر مقالين متتابعين يرفع فيهما شعار "المدنية"، لا يمكن النظر إليه كتحرك عابر، بل كجزء من مشروع يستهدف إحداث تحولات استراتيجية عميقة، عنوانها الظاهر استعادة المدنية، وهدفها الباطن إسقاط الجيش والمقاومة وحزب الإصلاح.
ما يجري اليوم ليس مجرد سجال سياسي، بل تدشين حرب شاملة تستهدف تفكيك ركائز الثورة والشرعية. وإن تصدّر اللواء الصوفي لهذه الحملات يعني أن الطريق طويل، وأن المسار لن يتوقف عند شعارات القبض على قتلة الشهيدة أفتِهان المشهري، بل سيتجاوزها نحو إسقاط قيادة المحور والأجهزة الأمنية والقوى السياسية، تمهيدًا لتسليم المدينة لورثة المشروع الذي أسقط صنعاء، وصنّع كتائب الموت والقناصات.
المفارقة المدوية أن من يرفعون اليوم شعار إسقاط الجيش والمقاومة في تعز، هم أنفسهم الذين كانوا بالأمس يتحدثون عن "جماعات الإرهاب" لتبرير تحالفاتهم مع الحوثيين. واليوم يعيدون ذات الخطاب، ولكن تحت لافتة جديدة من التبعية المطلقة لدولة الإمارات، التي تخوض حربًا ممنهجة ضد الجيش الوطني والقوى السياسية، وفي المقدمة حزب الإصلاح.
إن انتقال البعض من أحضان إيران ومليشياتها بالأمس، إلى أحضان الإمارات ومليشياتها اليوم، يثبت أن الهدف واحد: إسقاط الجيش الوطني والمقاومة وحزب الإصلاح. وما بين حلفاء الحوثي بالأمس وحلفاء الإمارات اليوم لا نجد سوى استمرارية مشروعٍ واحد بأدوات مختلفة، يؤكد أن التخادم بين المليشيات شمالًا وجنوبًا لم يعد مجرد فرضية، بل واقعًا يتجلى على الأرض بوضوح.
إن ما نراه اليوم في تعز ليس سوى إعادة إنتاج لسيناريو سقوط صنعاء بوجوه وأدوات مختلفة. الهدف واحد منذ البداية: إضعاف الجيش الوطني، وإسقاط المقاومة، وإقصاء القوى السياسية التي حملت مشروع الثورة والجمهورية. وما بين تحالف الأمس مع الحوثي، وتبعية اليوم للإمارات، تكمن حقيقة ثابتة: أن معركة هؤلاء ليست مع المليشيا، بل مع الدولة نفسها. غير أن تعز، التي أفشلت كل رهانات الانكسار، قادرة مرة أخرى على أن تفشل هذا المشروع، وأن تثبت أن الجمهورية لا تُباع ولا تُسلَّم، وأن دماء الشهداء ستظل السد المنيع في وجه كل طامح لكسرها أو النيل منها.