• تمر الأحزاب الغربية التي شكلت عمود الديمقراطية الفقري بأزمة عميقة؛ فقد تراجعت قدرتها على إقناع الناخبين وتشابهت برامجها حتى تلاشت الفوارق الجوهرية، فانخفضت الثقة وصعد القادمون من خارج المنظومة. تجسد ذلك في ترامب بالولايات المتحدة، وماكرون ولوبان بفرنسا، وكوربن ببريطانيا: مسار واحد عنوانه سقوط هيبة الأحزاب وصعود خطاب مباشر يتحرر من القيود التنظيمية.
• تبدو الصورة في العالم العربي أشد تعقيدا؛ إذ لم تتجذر حزبية مؤسسية أصلا. فغالب التنظيمات ولدت بقرارات سلطوية وخضعت لهيمنة الدولة، وما نشأ خارجها طوق بالقمع، فتعذر بناء قواعد راسخة وهياكل قادرة على الصمود. وحين اندلعت ثورات 2011 تحرك الشارع غالبا خارج الأحزاب؛ احتلت الساحات والمنصات الرقمية مركز التأثير، وبقيت الأحزاب على الهامش. هذا الفراغ استثمرته الجيوش والتيارات الطائفية والجماعات المسلحة، فتبددت فرص انتقال سياسي منظم وازدهرت بدائل غير مؤسسية.
• وفي دول الجنوب تتكرر أنماط حزبية تكشف الخلل من جذره، إذ يتم اختزال بعضها في شخص الزعيم كما في تشافيز بفنزويلا وبيرون بالأرجنتين، ويتجسد بعضها الآخر في حزب مؤسسي تقوده زعامة منضبطة كما حدث تاريخيا مع المؤتمر الوطني الأفريقي بقيادة مانديلا واستمراره مؤسسيا بعد رحيله، ومثل حزب العمال مع لولا في البرازيل، فيما يتحول النمط الثالث إلى حزب- دولة يحتكر السلطة لعقود ويفرغ التنافس من معناه على غرار حزب تشاما تشا مابيندوزي في تنزانيا والحزب الثوري المؤسسي في المكسيك.
• أعاد التطور الرقمي رسم قنوات التمثيل؛ فلم يعد السياسي محتاجا إلى الحزب كمنفذ أساسي للوصول إلى الجمهور. إذ منحت المنصات الرقمية قادة من "خارج المنظومة" قناة مباشرة وقدرة على التعبئة وقياس الأثر لحظيا، وجمهورا واسعا يتجاوب مع الخطاب المكثف والسريع أكثر من استجابته لوثائق وبرامج ثقيلة؛ فبدت الأحزاب بطيئة ومترددة وعاجزة عن مجاراة الإيقاع اليومي المتسارع.
• لهذا، نعى مفكرون وقادة رأي غربيون الحالة الحزبية في بلدانهم، ورأوا أنها دخلت طور الشيخوخة، ولخص الكاتب والصحفي البريطاني ستيف ريتشاردز التحول باعتباره احتضارا للأحزاب، وأكدتها تصريحات مثل "حزب العمال مات"، بيد أن المثقف العربي لا ينبغي أن يتبنى هذا النعي؛ إذ لم تعرف دولنا أصلا تجربة حزبية مؤسسية راسخة- بقواعد اجتماعية ممتدة، وهياكل منتخبة- حتى يعلن بعض المثقفين العرب اليوم موتها.
• وفي الحالتين يملأ الفراغ زعماء وقوى تتحرك خارج الإطار التقليدي، مستفيدة من زمن رقمي يعيد تشكيل السياسة على أساس الخطاب المباشر، وسرعة الحشد وفاعليته، وهو واقع آخذ في الاتساع.