في عالم القيم، فكرة التفضيل تصلح فقط في الإطار الكلي: هل تفضل الظلم أم العدل؟ الحرية أم العبودية؟ الحيونة أم العيش الكريم؟
النزول في التفضيل إلى تجسيدات هذه القيم، بالحديث عن تفضيل ظالم على آخر أو أرض على أخرى، هدر وتشوه.
الحرية والكرامة قيمتان من المفترض أن تحكما الوعي الفردي في تقييمه للمكونات من حوله، اجتماعية وسياسية، وتضبطا موقعه في هذه المنظومة.
ويفترض بهذا الوعي إدراك أن الحرية والكرامة قيمتان، مثل كل القيم الأخرى، غير قابلتين للتجزئة أو التوظيف الانتقائي، فمن يتناقض فيحملها بمكان ويحاربها بآخر فإنه مشوّه بالضرورة، ينتمي إلى عكسها بالضرورة، وهي عنده مجرد لافتة دعائية آنية.
كل إنسان أو مكون سياسي واجتماعي حمل هاتين القيمتين وتمثلهما في سلوكه، يستحق كامل الدعم، مهما كانت الأرض التي يقف عليها، ومهما كان انتماؤه العرقي والديني والثقافي.
كل إنسان أو مكون سياسي واجتماعي حاربهما صراحة أو انتقى وقت ومكان حملهما بناء على حسه البراغماتي، يستحق كامل الكراهية ومن الطبيعي محاربته قدر المستطاع.
من قتل مئات آلاف اليمنيين وفجّر منازلهم بعد أن هدم دولتهم، وملأ سجونه بالأبرياء من كل شيء عدا الانتماء الحقيقي إلى القيمتين المذكورتين، ليس مؤهلاً، بالمنطق الأكثر بساطة، للمشاركة في حرب أخرى يكون واقفاً فيها في الجانب الصحيح.
من ناحية القيمة لا مجال للتفضيل بين ضحية وأخرى أو بين مجرم وآخر. ومكان الوقوف الفاعل في هذه المعركة يتحدد جبراً بحدود الجغرافيا التي ينتمي إليها الفرد والإمكان الأدواتي.
لا فرق بين ضحية يمنية سقطت بنيران المليشيا الحوثية، وبين ضحية فلسطينية سقطت بالنيران الصهيونية، وبين ضحية أوروبية قتلتها سلطة ديكتاتورية. القيمة واحدة، والإنسان واحد.
لكنني يمني في الأخير، مُعرّف بهذه الجغرافيا، وهذه الحتمية تقتضي أن أولي انتباهي بالدرجة الأولى إلى حرب من يحول دون تحقيق هاتين القيمتين في أرضي، فهنا وجودي وإمكانية إثبات انتمائي القيمي، وانتصاري هنا هو انتصار لكل ضحايا الدفاع عن هذه القيم في كامل الأرض وبامتداد العصور، كما هي صفعة لكل سلطة مجرمة في كامل الأرض وبامتداد العصور.
حين أحمل بندقيتي ضد الإمامة في اليمن فإنني أنتصر لكل المظلومين بامتداد الزمان والمكان، فرصاصي مصوب بوعي الرفض لفكرة الظلم والرغبة والحرص على تحقيق قيم الحرية والكرامة، وليس بناء على تفضيلات تتعلق بقومية وأرض الضحية والقاتل، فهذا المستوى من التفضيل لا أخلاقي بالضرورة، لأنه يقع خارج حدود القيمة في ذاتها.