من المؤسف أن البعض دخل السياسة وهو مثخن بالأحقاد والضغائن، واعتقد أن السياسة هي المجال المفتوح للتعبير عن كل ما فيه، فينحدر عن عالم الفكر الخالص (المنطق) إلى مستنقع البشر من نفسيات مصابة ومريضة.
فالسياسة هي علم، وقيل عنها فن الممكن، فالعلم له منطقه، والفن مرتبط بالذوق العام، فلا يمكن تخاطب الناس خارج المنطق، وتحدثهم بنغمات شاذة عن الذوق العام، فهنا تتحول إلى مجرد مهرج في ساحة غنية بالفكر وذات ذوق عام راقٍ.
السياسة ليست هرجلة، يمكن اللعب بها خارج منطق العلم ونظريات الحياة والعلاقات العامة، بل هي أعقد مما يتصورها البعض، هي مهارة علمية وفكرية، وقدرة على اللعب وفق متطلبات المرحلة والذوق العام الراقي في المجتمع، لا تنحصر في مخاطبة المشاعر والأحاسيس، لكي لا تلعب على النفوس المصابة.
السياسة هي ذروة العقل؛ لأنها لا تتعامل مع رموز صمّاء ولا معادلات خشبية، وذاكرات مثقوبة، بل مع كائنات حيّة، وعقول صاحية، وطبقات متداخلة من المصالح، والأهواء، والولاءات، والذاكرة، وكل مصائب الحياة من ثأر وخوف وطمع وحلم، بحيث لا ضرر ولا ضرار.
السياسة هي علم التوازن المستحيل، ينتصر فيها العقل الوازن، القادر على إحداث توافقات، وإحداث تصالح وتسامح وسلام.
عندما يغيب العقل، تفشل السياسة، ويأتي العنف كبديل يلغي كل أدوات العمل السياسي الفطن، لتتصدر المشهد أدوات المصالح الضيقة، والبراغماتية، وتسقط هنا الأخلاق، وماذا سيتبقى من خير في مجتمع فقد أخلاقياته، مجتمع يصبح ضحية الفوضى، حيث لا منهجية ولا خطط مدروسة، ولا رؤية ولا رسالة إنسانية، في واقع ضحيته البسطاء.
العنف لن يسمح بعمل سياسي محكم، بل يستدعي الثأرات والضغائن، مما يعيق أي تحول حقيقي يمكن أن تصنعه السياسة، وأي تغيير ينشده المجتمع، بل سيغرقنا في صراعات وثأرات تثير اقتتالاً عبثياً، وتسمح بالتدخلات الخارجية، وسرقة ثروات البلد، وتدمير مقوماتها، بحيث تغيب الرؤية الصائبة ليرى البعض الوطن مجرد غنيمة ومزرعة وشركة خاصة.
وبهذا نكون قد صنعنا فوضى، مصدرها لا عقل ولا منطق، يتصدر مشهدها الأقل كفاءة ووطنية.
وما أحوجنا اليوم للعمل السياسي بحكمة وعقل ومنطق، عمل منضبط بنظام وقانون ونظريات، يسمح بالتعدد السياسي والتنوع الفكري والثقافي، نفتح مجالًا لمخاض عصف ذهني وفكري لتبرز لدينا العقول الوازنة والأفكار والرؤى الناضجة، وهنا سيتفوق العقل والمنطق، وسيتم فرز حقيقي للواقع، فيه يتم تصحيح مسار التحول لما يلبي تطلعات الناس.
بذلك سنستعيد وطننا وحياتنا ومعيشتنا وكرامتنا وشرفنا وعزتنا وإنسانيتنا، سنستعيد ذواتنا التي فقدناها، وأهم شيء استعادة السيادة والإرادة والقرار، ونعيد بناء جسور الثقة، ورأب الصدع، ونستعيد العلاقات الحميمة والتصالح والتسامح لنعيش ونتعايش في وطن يستوعبنا.
المصدر: يمن مونيتور