;
توفيق ألحميدي
توفيق ألحميدي

حين يعانق المنفى الموت ويصير الغياب شكلا آخر للحياة 310

2025-10-21 01:03:15

يتحول المنفى إلى وطن حين يحتضن في ترابه قريبا أو صديقا، فتصير الأرض البعيدة مألوفة بما تبقى فيها من ملامح الأحبة.

shape3

في لحظة ما، يفقد المكان اسمه وتغدو الذكريات هي الجغرافيا الوحيدة التي نسكنها.

أخاف الموت في المنفى، لأنه موت بلا وداع، بلا قبر يعرفه الأهل، ولا دمعة تسيل على الثرى.

أخاف أن أرحل بصمت كما رحل من سبقونا من ماليزيا إلى أمريكا، من ادغال الغابات الي قاع البحار، أولئك الذين صاروا ظلالا معلقة بين وطن ضاع ومكان لم يصِر وطنا.

هكذا تتحول المنافي إلى خرائط جديدة للذاكرة، تمتد من صور الأصدقاء الراحلين إلى أسماء المدن التي صار فيها لكل عائلة قبر أو ذكرى.

تتحول أماكن الشتات إلى سجل آخر لتاريخ العائلات، تتناقله الأجيال كجزء من هوية تتشكل على حافة الفقد والحنين.

تختم سيرة المرء حين يقال مات غريبا عن وطنه.

يموت كما عاش، غريبا، بلا أرض تعرف اسمه، ولا بيت ينتظره، ولا جدار يردد صدى صوته الذي كان ذات يوم يملأ المكان دفئا.

يموت في صمت، لا يسمع حوله أنين الأهل ولا بكاء الأصدقاء، كأن الحياة نفسها أدارَت وجهها عنه في اللحظة الأخيرة.

يظل الغريب غريبا حتى بعد أن يوارى الثرى، فلا صوت يقرأ عليه سورة الفاتحة، ولا يد مألوفة تسقي قبره بقطرة ماء أو تضع زهرة تذكره بالعمر الذي مضى.

قبره لا يحمل اسما مألوفا، ولا يعرفه أحد ممن يمرون بجانبه، يمرون كما يمرون على حجر مجهول، بلا قصة، بلا ملامح.

أما ذاكرته، إن بقيت لها بقية في أرواح الأحياء، فتظل مشدودة إلى أصوات الوداع المؤجل، وإلى وطن بعيد لم يمنحه حتى لحظة وداع أو نبرة صوت تمر على قبره.

كأن الغربة تصر على أن تسرق منه آخر ما تبقى من إنسانيته، فلا تمنحه حتى موتا يعرفه أحد.

الموت ليست نهاية، بل عبور نحو حياة أخرى، امتداد لما عشناه من تفاصيل وذكريات.

يكفي أنك كنت جزءا من هذه الحياة، مررت فيها، وتركت فيها أثرا، ولو كان خافتا.

هناك فرق بين من يهاجر مختارا لبناء عالم جديد، يرى وطنه قريبا لا يعيش وجعه، وبين من يُجبر على حمل وطنه كجرح متنقل في صدره.

الأول يعيش الغربة كحلم، والثاني يعيشها كقدر.

يصحو على وجعه وينام على ظله، لا يجد في المنافي سلوى، ولا في الذاكرة نسيانا.

الاندماج في وطن الغربة وهم جميل حتى تصحو على هشاشته.

فهو لا يمنحك ذاتية حقيقية، بل شرعية مؤقتة بقدر ما تقدم من نفع.

تبقى في النهاية رقما في سجل الهجرة، ملفا يفتح ويغلق بحسب المزاج السياسي.

يكفي أن يصعد صوت متطرف ليذكّرك بأنك دخيل، وأن المواطنة هنا عقد مؤجل يمكن فسخه في أي لحظة.

وحينها تعود غريبا كما بدأت، بلا جذور ولا سماء تحميك، كأن الغربة دائرة لا نهاية لها.

لم تعد مؤسسات القانون كما كانت، فقد تهاوت هيبتها أمام سطوة المصالح وتحوّل ميزان العدالة إلى أداة سياسية. صار القانون نصا مطاطيا، يُفسَّر وفق اتجاه القوة، وصوت الضحية يُغرقه صخب الشعارات. الإيمان بالقانون لم يعد فعلا عقليا، بل نزعة أخلاقية تقاوم الانقراض.

أما الديمقراطية، فقد فقدت براءتها الأولى، وتحولت من وعد بالخلاص إلى سلعة في أسواق السياسة. تُعاد تغليفها بخطاب جديد كلما بهت معناها، وتُستعمل لتبرير الإقصاء باسم الشعب. صارت القيم رمادا يتطاير فوق موائد المصالح، والديمقراطية غلافا لهيمنة جديدة تتقن فن التزييف باسم الحرية.

كثير من المهاجرين يتحرر من إنسانيته المهاجرة بالقسوة على المهاجرين الجدد، ليبرهن إخلاصه للوطن الجديد.

ينزع من جلده شواهد تاريخه، ويصير نسخة أخرى من القامع الذي هرب منه.

من ترامب إلى وزيرة الداخلية البريطانية، إلى زعيمة المحافظين النيجيرية، إلى المرشحين الشعبويين في أوروبا، تتكرر القصة ذاتها بأقنعة جديدة.

ذلك هو الفرق بين من يسافر بحثا عن حياة، ومن يساق إلى المنفى هربا من موت.

الأول يحمل الأمل، والثاني يحمل الوجع، وبين الاثنين تمتد مساحة الغربة الأبدية التي تنبت الحنين ولا تثمر سوى الصمت.

وفي النهاية، المنفى ليس مكانا بعيدا، بل حالة تسكن الروح وتعيد تعريف الوجود كل يوم.

الغربة ليست أن تبتعد عن وطنك، بل أن تفقد من يشبهك في هذا العالم، أن تبحث عن دفء لا يأتي، وعن معنى يظل معلقا بين الحلم والحنين.

ربما لا نملك أن نختار أين نموت، لكننا نملك أن نزرع في الذاكرة ما يجعل موتنا حياة تمتد في قلوب من بعدنا.

فالأوطان الحقيقية ليست خرائط، بل وجوه وأصوات وذكريات ترفض أن تغيب.

وحين يغيب الجسد، يبقى الأثر، يبقى الصوت، تبقى اليد التي كتبت، والروح التي لم تتصالح مع الرحيل.

عندها فقط ندرك أن الغربة قدر، لكنها أيضا شكل آخر من أشكال البقاء، وأن الإنسان لا يموت حقا ما دام في قلب أحدهم ذكرى تناديه باسمه.

بران برس

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد