في الأيام الأخيرة، أثارت تصريحات رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يتبنى مشروعًا انفصاليًا، عيدروس قاسم الزُبيدي، حول مزاعمه برغبة بعض سكان محافظتي مأرب وتعز في الانضمام إلى ما سماه «دولة الجنوب العربي» التي يسعى المجلس لإقامتها، جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية اليمنية وفي الشارع الجنوبي. وتعكس هذه التصريحات، إلى جانب خطاباته السابقة، حجم التحديات التي تواجه مشروع المجلس الانتقالي من حيث شرعيته وتوازناته الداخلية وموقعه ضمن المشهد السياسي اليمني المعقد، حيث تتقاطع المصالح المحلية والإقليمية والدولية في شبكة كثيفة من التفاعلات السياسية والعسكرية. ويمكن النظر إلى تصريحات الزُبيدي الأخيرة بوصفها محاولة لتوسيع نفوذ المجلس سياسيًا وتأكيد حضوره في المشهد الوطني، مع الحرص على الإبقاء على خطاب يبدو تصالحيًا وواقعيًا أمام الانتقادات الداخلية والخارجية، خصوصًا في ظل التعقيدات الدستورية والسياسية المتعلقة بالمحافظات الشمالية التي يسعى البعض لضمها نظريًا إلى المشروع الانفصالي.
زعم الزُبيدي أن بعض سكان مأرب وتعز عبّروا عن رغبتهم في الانضمام إلى «دولة الجنوب العربي»، مشيرًا إلى استعدادهم للتفاهم بشأن إدارة تلك المناطق. وفي مقابلة تلفزيونية بتاريخ 7 أكتوبر، رحّب الزُبيدي بتنسيق تفاهمات حول إدارة هذه المناطق، قبل أن يؤكد في خطاب لاحق بمناسبة الذكرى الـ62 لثورة 14 أكتوبر أن المجلس الانتقالي سيظل داعمًا لكل المناطق التي تواجه الظلم، معتبرًا أن سكان البيضاء وإب والمخا وتهامة وصعدة، وكل المناطق المقاومة للطغيان، سيجدون في قوات المجلس «سندًا وظهيرًا وفيًا» حتى تعود أراضيهم حرة وآمنة، مكللة بالعزة والكرامة.
داخل الحاضنة الجنوبية، لم تلقَ تصريحات الزُبيدي ترحيبًا واسعًا، إذ اعتبرها البعض خروجًا عن الحدود الجغرافية للدولة المزعومة للمجلس الانتقالي. وقال صلاح الشنفرة إن من يطلق مثل هذه التصريحات «خونة»، بينما عبّر آخرون في محافظات مثل شبوة وحضرموت عن رفضهم لأي طروحات تتجاوز صلاحياتهم المحلية أو تمس استقلال قرارهم الإداري. وفي المقابل، جاءت ردود الفعل في المحافظات المستهدفة، مأرب وتعز، بين السخرية والانتقاد الحاد؛ إذ رأى البعض أن التصريحات تعكس الطابع الشعبوي لشخصية الزُبيدي، بينما تساءل آخرون عن سبب اختيار هاتين المحافظتين تحديدًا، دون غيرهما.
وعند العودة إلى خطاب الزُبيدي بمناسبة الذكرى الـ62 للثورة، بدا وكأنه يحاول الرد على منتقديه وتعديل خطابه باتجاه أكثر عقلانية وواقعية سياسية، مع اعتماد لهجة تصالحية تفتح باب التواصل مع المواطنين في مختلف أنحاء اليمن. فقد ذكر أسماء محافظات أكثر من تلك التي أشار إليها في مقابلته التلفزيونية، ووجّه حديثه بنبرة إيجابية للمواطنين، مؤكدًا التزامه بالوقوف إلى جانبهم في مواجهة الظلم، وأن التشكيلات العسكرية التابعة له لن تتخلى عنهم حتى يستعيدوا حريتهم. ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن خطاب الزُبيدي يفتقر إلى الكاريزما القيادية، وأنه يعمل أكثر كناقِل رسائل سياسية ربما طُلب منه إيصالها، في حين ربط آخرون تصريحاته بمحاولات لتهيئة مسار سياسي يوسّع من قبوله في المحافظات الشمالية، ضمن رؤيةٍ توحي بالتحايل على الطابع الانفصالي التقليدي للمجلس.
تأتي تصريحات الزُبيدي في وقت تتداول فيه الأوساط السياسية أحاديث عن محاولات لإعادة هيكلة المجلس الرئاسي المعترف به دوليًا، بما في ذلك محادثات محتملة مع الحوثيين، وسط تكهنات عن مرحلة انتقالية مؤقتة يتولى فيها الزُبيدي رئاسة اليمن لمدة مؤقتة تمتد لخمس سنوات، بعضوية نواب من الشمال والجنوب. وبينما لم تتأكد هذه السيناريوهات بعد، إلا أنها تشير إلى أن تصريحات الزُبيدي قد تكون جزءًا من تحركات سياسية أوسع تهدف إلى تثبيت موقعه الشخصي داخل المشهد اليمني المتغير. فالمجلس الرئاسي، الذي يضم في عضويته قادة فصائل مسلحة متعددة، يوصف من قبل بعض المراقبين بأنه «مجلس أمراء حرب»، وهو ما يحدّ من قدرته على فرض إدارة مركزية فعّالة أو صيغة سلام شاملة.
في المحصلة، تعكس تصريحات الزُبيدي التعقيد البالغ للمشهد اليمني، حيث تتقاطع الطموحات الانفصالية مع واقع ميداني ضاغط وتشابك مصالح داخلية وخارجية. وتُظهر محدودية أي مشروع سياسي يعتمد على الخطابات أو القوة العسكرية وحدها، في ظل حاجة البلاد إلى مقاربة سياسية أكثر شمولًا وتدرجًا، تراعي التوازنات المحلية والتحديات الاقتصادية والأمنية، وتضع أسسًا لحلول توافقية تحفظ وحدة اليمن واستقراره.
يمن مونيتور