تشكّل زيارة عيدروس الزبيدي إلى موسكو ولقاؤه بوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، حيث أعلن دعمه لجهود السلام في اليمن، حلقة جديدة في سلسلة الأحداث المتسارعة التي تشهدها الساحة اليمنية.
فثمة هرولة غير محسوبة من بعض القوى لحجز مقعدٍ مبكر على طاولة “السلام” — أو بالأحرى الاستسلام — مع مليشيات الحوثي الإيرانية.
الواضح أن الزبيدي ومجلسه الانتقالي يحاولان تسويق نفسيهما كقوة موازية لمليشيات الحوثي، وأنهما الطرف الثاني الواجب تمثيله سياسيًا في أي ترتيبات قادمة ضمن ما يُعرف بخارطة الطريق التي ترعاها الأمم المتحدة والمملكة العربية السعودية.
ومنذ الانقلاب الأول للمجلس الانتقالي على الحكومة الشرعية، كانت المؤشرات واضحة على أن المسار الإجباري الذي يُرسم لليمن يهدف إلى إعادة تشكيل المعادلة السياسية بأقطابٍ جديدة تُضعف الشرعية وتُمكّن “الورثة غير الشرعيين” من تمثيلها.
ولا يخفى على المتابعين أن هناك اتصالات مباشرة وغير مباشرة بين قيادات في المجلس الانتقالي ومليشيات الحوثي، برعاية سلطنة عمان، إضافة إلى لقاءات تمت في بيروت.
قبل أشهر، تحدث دبلوماسي صديق عن مساعٍ يقودها الانتقالي بدعمٍ إماراتي لإقناع روسيا برعاية مفاوضات غير مباشرة، تليها مفاوضات مباشرة بين المجلس الانتقالي والحوثيين — في إطار محاولة إماراتية للالتفاف على مسار مفاوضات مسقط بين الرياض والمليشيات الحوثية.
وفي آخر زيارة لوفد الحوثيين إلى موسكو برئاسة المتحدث باسمهم محمد عبدالسلام، تسربت معلومات عن لقاء غير معلن جمعه بالسفير الإماراتي في موسكو.
وإن صحّت هذه المعلومات، فإنها تؤكد أن التنافس السعودي الإماراتي في اليمن تجاوز حدود السيطرة الميدانية إلى التنافس على هندسة مسار السلام وتحديد شكل الخارطة السياسية المقبلة.
وفقًا لقيادات داخل الانتقالي، لا تمانع الإمارات في التقارب بين المجلس الانتقالي والحوثيين وبعض المكونات الأخرى مثل قوات طارق صالح والتيار السلفي، طالما أن ذلك يحقق الهدف المشترك: إقصاء ما تبقى من مكونات الشرعية، وعلى رأسها حزب التجمع اليمني للإصلاح.
ويرى بعض المراقبين أن الرياض قد تجد نفسها — على المدى القصير — أمام تحالفٍ جديد يجمع خصمين لدودين هما الانتقالي والحوثيون، في مشهدٍ يبدو عبثيًا لكنه ليس مستبعدًا في سياق صراع النفوذ الخليجي والخارجي على اليمن.
في ثقافة المجلس الانتقالي، رسّخت الإمارات قناعة بأن السعودية هي العقبة الرئيسية أمام مشروع الانفصال، وهو ما يفسر جانبًا من تصاعد التحركات الأخيرة التي شهدتها العواصم الإقليمية، وآخرها موسكو.
تلك التحركات ليست بعيدة عن أعين واشنطن التي لم تمنح الرياض — حتى اللحظة — الضوء الأخضر لطرح مشروعها السياسي المسمى “خارطة الطريق”، كما أن لقاء الزبيدي بالسفير الأمريكي قبيل مغادرته إلى موسكو يُفهم في هذا السياق، إذ باتت التحركات الانتقالية تثير قلقًا متزايدًا لدى الإدارة الأمريكية.
إنّ هذا السباق المحموم بين الخصوم والحلفاء في آنٍ واحد نحو رسم ملامح “السلام القادم”، ينذر بمرحلةٍ أكثر اضطرابًا، ويضع مستقبل اليمن في دائرة التهديد الحقيقي.
فكلما اتسعت رقعة التحالفات التكتيكية بين المتناقضين، ازداد الداخل اليمني ظلمةً وضبابية، وازدادت المخاطر التي تهدد ما تبقى من مؤسسات الدولة الشرعية وكيان الجمهورية اليمنية ذاته.
إنّ ما يجري اليوم ليس سلامًا يُصاغ بمداد الإرادة الوطنية، بل صفقة نفوذٍ تُكتب بحبر الخارج وتُنفذ بأيدي الداخل.
وإذا لم تستفق القوى الوطنية لتستعيد قرارها وتُعيد بناء موقفٍ موحد تجاه الانقلاب والمشاريع العابرة للحدود، فإن اليمن على موعدٍ مع مشهدٍ يعيد إنتاج مأساته الأولى — انقلابٌ جديد بثوبٍ دبلوماسي، ووصاية دولية تُعيد التاريخ إلى لحظة السقوط الأولى في العام 2014.
لغة البنادق ومدافع الحق الموجهة نحو صنعاء لتحريرها وحدها القادرة—بمعناها السياسي والرمزي—على نسف مطامع الخارج وأوهام الداخل، وإسقاط رهانات القسمة والتقسيم. أمام اليمنيين في الداخل اليوم خيار واحدٍ صعبٍ وواضح: إما إعادة توجيه مسار المعركة نحو إسقاط المشروع الإيراني وميليشياته على أرضنا، كهدفٍ استراتيجي أول وأساسي لاستعادة الدولة؛ أو الاستمرار في الانجرار إلى صيغ هزيلة من «السلام» تُعيد توزيع الوطن عبر مراكز نفوذ أوصت بها عواصم الخارج.
هذا ليس آراءً نظرية، بل واقعٌ يفرض نفسه: إن غاب القرار الوطني الجامع، واستمر التفكك السياسي والمؤسسي، فستتوالى الكوارث بدرجاتٍ يصعب تداركها، ويكتب التاريخ عن أمة قبلت أن تُقسم على موائد الآخرين. أما إذا توحّد الإرادة، وجُهّدت الطاقات العسكرية والسياسية والمدنية نحو هدفٍ واضح—تحرير العاصمة واستعادة مؤسسات الدولة—فستتبدد كلّ رهانات المشروعات البديلة، ويستعيد اليمن مكانته دولةً سياديةً لا مفاوضة على وجودها.
خيارٌ واحد: إما استعادة الدولة بكل ما تعنيه سيادة وكرامة، وإما انتظار نتائج معارك لا يجرؤ أحد على تسعير حجم مآلاتها. فليكن القرار شجاعًا، والوطن فوق كل اعتبار.