جرت انتخابات الجالية اليمنية في النمسا قبل أيام، وأسفرت عن قيادة جديدة نرجو لها التوفيق، لكنها كشفت عن عمق الجرح الذي نحمله معنا؛ انقسامات حادة وتكتلات غير صحية سبقتها، لا بسبب البرامج بل بسبب تركة الانقسام الوطني التي لم تُمحَ من الوعي.
برزت لغة الاتهام والتصنيف — إخوان، حوثي، شرعية — غُذِّيَت من قبل أطرافٍ يُفترض بهم لَـمُّ الشمل، وكأننا ننقل حربنا إلى المهجر. مشهد مؤلم يدل على أننا لم نغادر بعد أطلال الانقسام.
الجالية اليمنية، رغم صغرها وحداثتها، ما زالت محدودة الأثر وضعيفة الإمكانات والرؤية، وتفتقر إلى مشروع جامع يعيد تعريف دورها.
واليمني في المهجر — كما تكشف التجربة — ما زال مثقلاً بسلبيات ماضيه، عاجزًا عن تعريف نفسه في وطنه الجديد.
هو الذي خاطر بحياته ليصل إلى الأمان، ثم حمل معه ما هرب منه: العصبيات ذاتها، والانفعالات نفسها، واللغة المنقسمة التي عطّلت مشروع الدولة التي غادرها.
من هنا يبرز السؤال الأعمق:
كيف يمكن لليمني أن يعيد تعريف ذاته في المهجر؟
وكيف تتحول الغربة من مرآة للماضي إلى أفقٍ للفعل والمواطنة؟
تجربتنا كيمنيين تكشف مأزقًا متجذرًا: نغادر الوطن جغرافيًا، لكننا نحمله في وعينا بانقساماته ومخاوفه.
لم نتصالح مع أنفسنا بعد، لذا نعيد إنتاج الصراع في كل مكان.
نمارس السياسة بعقل القبيلة، ونخوض الانتخابات بروح الثأر، ونتعامل مع الآخر بأدوات الشك ذاتها.
لهذا، إعادة تعريف “اليمني في المهجر” ليست ترفًا، بل ضرورة لبناء ذاتٍ جديدة قادرة على الشفاء من الماضي والمشاركة في الحاضر بوعيٍ إنسانيٍّ حرّ.
فماذا نعني بإعادة التعريف؟ نعني أن اليمني في المهجر عليه الانتقال من هوية الحنين إلى هوية الفعل، من حضورٍ رمزيٍّ يستعيد الماضي إلى حضورٍ مؤسسيٍّ يصنع المستقبل.
هي وعيٌ جديد يرى في الغربة فضاءً للإنجاز لا للغياب، وفي الاندماج والعمل والمشاركة السياسية امتدادًا كريمًا لجذورٍ لم تذبل، بل تزهر في أرضٍ أخرى.
فالهجرة ليست عبورًا في المكان، بل رحلةً في الوعي. واليمني لا يترك وطنه فقط، بل يدخل حوارًا مع ذاته بين ما كان عليه وما يريد أن يكونه.
يحمل مفتاحين: لبيتٍ قديمٍ في الذاكرة، وآخرَ لبيتٍ جديدٍ في الواقع، وبينهما تتشكل هويةٌ تتفاوض بين الأصل والمستقبل.
الغربة إذًا ليست نفيًا، بل فرصة لاكتشاف معنى الانتماء من جديد.
أعلى درجات الاندماج ليست لغوية أو اقتصادية، بل سياسية — لأنها تنقل المهاجر من المراقبة إلى الفاعلية، مع إيماني أن اللغة بابها.
أما الاندماج الأدنى، مهما كان لامعًا، فيظل فرديًا محدود الأثر.
السياسة هنا فن المشاركة لا الصراع، والاندماج الحقيقي هو وعيٌ بالمسؤولية، لا تبعية للسلطة أو الحزب.
حين يشارك اليمني في العمل العام، يعيد تعريف صورته ويمنح وعيه أفقًا جديدًا.
أحزن كثيرًا حينما أجد فاعلية خاصة مغلقة، لحفر قبر، أو أمسية شعرية، أو لقاء عشاءٍ عربيٍّ، ولا تجد لقاءً سياسيًا بين الأحزاب والجاليات، أو تأسيس مركزٍ سياسيٍّ لصناعة قياداتٍ سياسية.
غير أن إعادة التعريف لا تبدأ من الخطابات الكبرى، بل من تفاصيل الحياة اليومية. فالأسرة أول مختبرٍ للهوية، فيها تتجاور الذاكرة والتجربة.
الأم التي تطهو الأكل اليمني وتتابع دروس اللغة مع أطفالها، والأب الذي يتحدث الألمانية في العمل والعربية في البيت، يخلقان لغةً ثالثة، مزيجًا من الأصالة والانفتاح.
الأسرة لم تعد حارسةً للماضي فقط، بل مدرسةً للتوازن وجيلٍ يمنيٍّ عالميّ الوعي.
لكن اليمني في المهجر لا يحمل ذاكرةً نقية؛ فموروثه مزيجٌ من القيم والعادات، بعضه نور وبعضه عبء.
هو قادمٌ من مجتمعٍ عاش قرونًا خارج فكرة الدولة، فترسّبت فيه أنماط الطاعة والعصبية والتمييز، مما يجعل التفاهم مع النظام الحديث تحديًا ثقافيًا.
لكنه في المقابل يحمل كنوزًا أخلاقية ثمينة: الكرم، والتكافل، والاحترام الأسري — قيم يمكن أن تعالج أزمة البرود الإنساني في مجتمعات اللجوء.
التحدي ليس في رفض الموروث أو تمجيده، بل في غربلته وتحويله إلى طاقة بناء. فاليمني مدعوٌّ إلى قراءة نفسه نقديًا، وفهم طبيعة القانون الذي أصبح يعيش فيه، والتمييز بين ما يصلح للبقاء وما ينبغي أن يُترك للذاكرة.
أما الجالية، فهي مرآة الهوية الجديدة. حين تتحول من تجمعٍ مغلق إلى فضاءٍ مدنيٍّ منفتح، تصبح نموذجًا لليمن الممكن.
ليست ناديًا للحنين، بل مدرسةً للمواطنة. حين تُشرك النساء والشباب والمبدعين، وتبني شراكاتٍ مع المجتمع المضيف، تعيد تعريف اليمن كحضارةٍ منفتحة قادرةٍ على الحوار.
حتى الاحتفال فعل هوية. حين يرفع اليمني علم بلاده في ساحةٍ أوروبية، أو يغني الموشح الصنعاني في مهرجان، فهو لا يحنّ فقط، بل يعرّف بوطنه كحياةٍ وثقافةٍ لا كذكرى.
فالاحتفال ليس تكرارًا للماضي، بل إعلانًا عن قدرة الهوية على التجدد.
اللغة أيضًا ساحة صراعٍ خفي. بين العربية التي تمثل الجذر، ولغة المهجر التي تمثل الأداة، يعيش اليمني توتر البقاء والفهم.
الجيل الجديد الذي يتحدث الألمانية أو الإنجليزية ويكافح للحفاظ على العربية لا يعيش تناقضًا، بل تجربة حضارية مزدوجة.
المطلوب ليس مقاومة اللغة الجديدة، بل جعلها جسرًا للتعريف بالذات، لا حاجزًا يعزلها. لذا من المهم منحها حضورًا في النقاش المنزلي مع الجيل الجديد، وتوضيح معانيها وثرائها.
الاندماج الأكاديمي، رغم أهميته، يظل ناقصًا ما لم يُترجم إلى أثرٍ اجتماعي.
العالِم أو الباحث الذي يكتفي بعالمه المغلق ينتج معرفةً بلا تأثير.
أما حين يشارك في لجانٍ محلية أو ينقل خبراته إلى مؤسسات المجتمع، فإنه يعيد تعريف ذاته ودوره.
فالمثقف والأكاديمي اليمني مدعوٌّ لتجاوز العزلة النظرية، وربط المعرفة بالفعل المجتمعي. والعقل المهاجر لا يكتمل إلا حين يصبح جسرًا بين الثقافتين.
العمل في المهجر ليس وسيلة عيشٍ فقط، بل فعل هوية.
النجاح المالي ليس خصمًا للقيم، بل شقيقًا للاندماج السياسي.
من يملك استقلاله الاقتصادي يملك صوته واحترامه.
العمل المبدع مقدمةٌ للحرية، والكرامة في الكسب أول الطريق إلى الكرامة في الموقف.
الاقتصاد هنا يتحول إلى لغة احترام لا تحتاج ترجمة.
ويبقى السؤال: ماذا تريد أن تكون؟
الأصل أن تكون ابن البلد لا مجرد حاملٍ لجوازها.
ففكرة “خدمة الوطن من المهجر” لا تتحقق بالشعارات، بل بالفعل والإنتاج والقدوة.
حين تنجح بصدق، يراك الناس فيرون فيك وطنك، وتخدم بلدك بما تزرعه من صورةٍ نزيهةٍ وإنجازٍ ملموس.
بهذه الخطوات الصغيرة يعيد اليمني في المهجر تعريف نفسه: فالهجرة ليست نهاية وطنٍ بل بداية وعي.
فالذي يحمل اليمن في قلبه، ويمنحه صورةً كريمة في العالم، قد عاد إليه من أوسع أبواب الكرامة.
إنها عودة بلا تذكرة، لأن الوطن الحقيقي ليس حيث نولد، بل حيث نمنح ذواتنا معنى، وحيث نعيد تعريف اليمن فينا — من الذاكرة إلى الفعل.
ما تحتاجه الجاليات اليمنية اليوم ليس انتخاباتٍ جديدة، بل تحولًا في الوعي.
فالمهجر ليس منفى، بل مختبرًا لإنسانٍ يتصالح مع ماضيه ويشارك في صنع مستقبله.
حين يدرك اليمني أن الاندماج ليس ذوبانًا، وأن الهوية ليست تمسكًا جامدًا، يبدأ طريق الفعل الحضاري.
كل نجاحٍ يمني في الخارج هو تصحيحٌ لصورة الداخل، وكل مبادرةٍ صادقةٍ بذرةٌ ليمنٍ أكثر نضجًا وإنسانية.
أن نحمل اليمن فينا لا كوجعٍ قديم، بل كفكرةٍ قابلةٍ للحياة — ذلك هو الرهان الأكبر: أن يتسع اليمن للعالم، ويتجدد بنا ومن خلالنا.