مأرب لم تخرج يوماً من دائرة الحرب.
منذ سقوط صنعاء وحتى اللحظة، تواصل هذه المدينة معركتها ضد المشروع الإيراني وأذرعه، لكنّ شكل الحرب تغيّر. لم تعد أصوات المدافع وحدها تعبّر عن القتال؛ فالمعركة اليوم تُخاض بأدوات أكثر خبثاً: الأمن، الاقتصاد، الإعلام، والمجتمع.
الهدوء الظاهر ليس إلا ستاراً تخفي خلفه معارك استخباراتية معقّدة، تُدار ضد مأرب لإسقاطها من الداخل بعدما فشل الأعداء في إسقاطها من الخارج.
•• التهديد الأمني: حربٌ تتجدد بوجوهٍ مختلفة
كل مواطن في مأرب بات هدفاً محتملاً، وكل منشأة مدنية أو اقتصادية أو مالية تُعدّ هدفاً مشروعاً لقوى الشر.
القيادات العسكرية والأمنية والسياسية، ورؤساء المحاكم والنيابات العامة، جميعهم يعيشون تحت التهديد الدائم، بينما تتزايد المؤشرات الأمنية التي تؤكد أن الحرب دخلت مرحلة “الاستهداف الصامت”.
الاعتداءات الأخيرة، وعلى رأسها عملية السطو المسلح على شركة صدام إكسبرس للصرافة، ليست سوى نموذجٍ واضحٍ للفراغ الأمني والخلل في إجراءات الحماية.
حراسة بعصا في مواجهة مليشيات مدججة بالسلاح؟ هذا ليس تقصيراً فحسب، بل استهتار بالدم والمال العام والخاص.
•• المنشآت الحيوية في خطر
وجود شركات صرافة وبنوك تحتفظ بملايين الريالات والدولارات دون حراسة محترفة جريمة أمنية مكرّرة.
الحالة التي وصلت إليها مأرب اليوم تفرض إعادة هيكلة منظومة الحماية لتلك المنشآت، وربطها مباشرة بإدارة الأمن وغرفة العمليات المشتركة، وعدم تركها لحراس مدنيين بلا تدريب أو ارتباط مؤسسي.
إن تمكّن عصابة من انتحال صفة رجال الأمن يؤكد أن الوقت قد حان لتسليم مهام حراسة البنوك وشركات الصرافة والمنشآت الاقتصادية إلى قوات حماية المنشآت العامة، أو وحدات أمنية متخصصة خاضعة لإدارة الأمن في المحافظة.
•• الإعلام كسلاحٍ موازٍ للرصاص
ما يجري إعلامياً من تحريض ممنهج ضد المؤسسة العسكرية والأمنية أخطر من أي اختراق ميداني.
حملات التشويه التي تطال قيادات الجيش والأمن تهدف إلى كسر الثقة بين المواطن ورجل الأمن، وتعطيل حلقة التعاون المجتمعي التي مثّلت لعقدٍ كامل جدار مأرب المنيع.
الاستهداف الإعلامي، بأدوات ظاهرها النقد وباطنها الهدم، يُعد اليوم أخطر أدوات الحرب النفسية التي تستهدف مأرب من الداخل.
•• المطلوب فوراً
1. إلزام جميع شركات الصرافة والبنوك والمنشآت الاقتصادية باستقدام حراسة مسلحة مدربة ترتبط مباشرة بإدارة الأمن.
2. ربط حراسة المنشآت المصرفية بغرفة العمليات المشتركة التابعة لإدارة الأمن.
3. منع شركات الصرافة من الاحتفاظ بأموال كبيرة داخل محلاتها وإيداعها البنك المركزي.
4. إطلاق حملة رقابة وتفتيش دورية على المنشآت المالية والمراكز التجارية لتفقد سلامة إجراءات السلامة والاحتياطات الأمنية.
5. تتبع حملات التحريض الإعلامي الممنهج على الجيش والأمن ومحاسبة القائمين عليها قانونياً أمام القضاء.
•• مأرب في قلب المعركة
نحن أمام حربٍ مستمرة لم تنتهِ منذ عقدٍ كامل، فقط تبدلت أدواتها وأهدافها.
العدو اليوم لا يقصف بالمدافع، بل يزرع الخلايا، ويغذي الفوضى، ويهاجم الثقة بين المجتمع والدولة.
إنّ بقاء مأرب آمنة ليس مهمة الأجهزة الأمنية وحدها، بل واجب وطني مشترك بين المواطن والسلطة.
المعركة مستمرة، ولن تتوقف إلا بهزيمة المليشيات وتحرير صنعاء، واستعادة الدولة بكل مؤسساتها، فذلك وحده هو الضمان الحقيقي لأمن مأرب واستقرار اليمن كله.