تخيّل يا صديقي…
أنك تصحو في صباحٍ يشبه جدارًا متصدّعًا، لا يدري هل ينهار أم يظلّ واقفًا بفضل ذاكرة الإسمنت.
تفتح نافذتك على وطنٍ يتنفس بصعوبة، كأن الريح لم تعد تعرف الطريق إلى رئتيه.
ترى الجبهات هناك في البعيد…
خطًا رماديًا يحرسه رجالٌ احترقت وجوههم بالشمس، وتيبّست قلوبهم بالصبر.
رجالٌ لم يطلبوا سوى دولةٍ تعترف بعرقهم، ولافتة صغيرة تُكتب تحتها كلمة “وفاء”.
ثم تنقل نظرك قليلًا…
فتجد بالقرب من القصر، وفي ظلّ الرايات الرسمية نفسها، رجالًا آخرين… لم يعرفوا معنى الخندق، ولم يختبروا طعم الخوف من الغد، لكنهم يجلسون اليوم في مواضع القرار، يتقاسمون ملامح الدولة كما يتقاسم التجار غنيمة لم يدفعوا ثمنها.
تخيّل المشهد الطويل المؤلم:
جرحى الحرب، أولئك الذين خرجوا عام 2016 وما بعدها يحملون أجسادهم كحقائب مثقوبة… يقفون في الشوارع، لا يملكون سوى ظلالهم على الإسفلت.
يطرقون أبوابًا تحوّلت إلى جدران صمّاء، يبحثون عن راتب يعيد لهم كرامة العيش… أو كلمة اعتراف بأنهم لم يقاتلوا عبثًا.
وفي الناحية الأخرى…
تمضي قوافل السلاح الحديث في طرقٍ معبّدة ومنافذ “شرعية”،
لكنها لا تصل إلى الجيش الذي يحمل اسم الدولة…
بل تتجه إلى تشكيلاتٍ نبتت خارج جسد الشرعية ثم صار التطبيع معها هو القاعدة،
والاستغراب من تمنحها الشرعية هو الشذوذ.
هنا يصبح كلُّ شيءٍ مقلوبًا:
الجيشُ الوطني مُحاصَر،
والمليشيات مُحتَفى بها.
والمعركة التي كانت يومًا معركة وجود…
تصبح ملفًا إداريًا قابلاً للتفاوض.
وتتبدل الأسماء:
من كان يُسمّى متمرّدًا… يصير شريكًا.
ومن كان يُتهم بالإرهاب… يصبح مسؤولًا عن مكافحته.
ومن أطلق الرصاصة الأولى على الدولة… يُمنح مفاتيح إحدى غرفها.
ومن دافع عنها وسقط على أبوابها… يُترك متكئًا على عكازه عند أبواب المستشفى.
ثم يأتي المشهد الأكثر قسوة…
خارطة طريقٍ تُهيّأ بعناية، تشبه صفحة أُعيدت كتابتها بالحبر ذاته ولكن بقلم آخر،
تُرتِّب لعودة من هدم البيت إلى غرفة المعيشة،
ومن صادر العلم إلى منصة الاحتفال،
ومن قاتل الجمهورية إلى كرسي الحكم في قصر معاشيق.
يا صديقي…
نحن لا نعيش أزمة سياسية…
بل نعيش محاولة إعادة تعريف البطولة والخيانة، الحق والباطل، الجرح والكرامة.
نعيش زمنًا يريد البعض فيه إقناع الجندي أنه قاتل خطأ، وأن خصمه كان على صواب.
زمنًا يريد تحويل الذاكرة إلى ورقة قابلة للمسح…
والأوجاع إلى أرقام…
والدم إلى تفاوض.
الصرخة – ليست غضبًا… بل صحوة
وهذه الصرخة ليست للغضب…
بل هي صرخة ذلك الإنسان الذي ما زال يؤمن، رغم كل العتمة، أن الوطن يشبه الشمعة الأخيرة التي ينبغي أن نحميها من ريحٍ لا ترحم.
صرخة لا تريد إسقاط أحد، ولا تهدف لفتح جبهة جديدة في صدر بلدٍ امتلأ بالجراح…
بل هي صرخة من يريد أن يوقظ القلوب لا أن يشعل الحرائق،
صرخة تُعلّمنا أن الصمت لم يعد فضيلة،
وأن الصبر على الخطأ لم يعد حكمة،
وأن إعادة ترتيب البيت لا تكون بترك المفاتيح في يد من هدم الجدران.
هذه الصرخة ليست صدى ألمٍ قديم…
بل نداء لحماية ما تبقى،
نداء لإنقاذ الفكرة قبل الأرض،
والكرامة قبل السياسة،
والحق قبل المصالح.
هي صرخة تشير إلى الطريق، لا إلى الخصوم؛
صرخة تذكّرنا بأن الجمهورية ليست نصًا مكتوبًا بل دمًا سُكب،
وأن الشرعية ليست ختمًا يُوقّع بل قيمٌ تُحمَل،
وأن هذا الشعب لم يُخلق ليعيش في العتمة، ولا ليُدار كملحقٍ بقرارات الآخرين.
هذه الصرخة ليست ضد أحد…
بل لأجل الجميع:
لأجل الجندي الذي يحرس الليل،
ولأجل الطفل الذي يحلم بصباحٍ بلا صوت مدفع،
ولأجل الأم التي أرهقها الانتظار،
ولأجل الدولة التي تكاد تُنتزع من بين أصابع أبنائها.
إنها صرخة تقول:
يا أبناء اليمن… إن لم ننهض اليوم، فقد لا نجد غدًا ما يمكن إنقاذه.
وإن لم ندافع عن معنى الدولة الآن، فقد نستيقظ يومًا لنجد أن الدولة لم تعد سوى حكاية تُروى، لا واقعًا نعيشه.
هذه ليست صرخة غضب…
بل صرخة حياة،
صرخة توقظ ما تبقّى من روح الوطن…
قبل أن يصبح اليقين نفسه آخر المفقودين !!!