في لحظة تاريخية يتزاحم فيها الانهيار السياسي مع الانهاك الاقتصادي، تبدو الدولة اليمنية وكأنها تتحرك في فضاء بلا بوصلة واضحة.
أزمة القرار داخل مجلس القيادة ليست مجرد إشكالية في إدارة الملفات اليومية، بل هي انعكاس عميق لواقع سياسي يفتقر إلى رؤية جامعة، يحمل على أكتافه إرث أزمات طويلة، ويعيد إنتاجها في كل محطة مفصلية بدل تجاوزها.
البلد الذي كان ينتظر من مجلس القيادة أن يكون نقطة الانطلاق نحو مشروع وطني متماسك، يجد نفسه اليوم أمام مؤشرات واضحة بأن منطق الشراكة ما يزال محكومًا بحسابات ضيقة لا ترتقي إلى حجم الحاجة الوطنية.
ملفات سيادية واستراتيجية تُدار بمنطق الترتيبات وليس بمنطق الدولة، وكأنها أوراق تفاوضية لا مفاتيح لبناء مستقبل.
كان من المفترض أن تكون الشراكة داخل مجلس القيادة فرصة لإعادة صياغة القرار الوطني على أسس جديدة، إلا أن ما يظهر في الواقع يكشف أن هذه الشراكة تحوّلت بشكل تدريجي إلى مساحة لإعادة توزيع النفوذ لا لبناء الدولة.
إن التباينات داخله لا تتعلق بتعارض رؤى أو اختلاف برامج، بقدر ما ترتبط بمنطق قديم يقوم على “مقايضات” سياسية، تؤخّر القرار بدل أن تصنعه، وتُبقي الملفات معطّلة بدل أن تحسمها. تآكل هذه الشراكة من الداخل انعكس على مؤسسات الدولة نفسها، التي باتت تعمل في ظروف ضبابية، بلا وضوح في الصلاحيات، ولا انسجام في الأدوار، ولا قدرة على تقديم أداء يوازي حجم الأزمة المتفاقمة في البلاد.
حين تصبح القرارات السيادية خاضعة لحسابات النفوذ والوزن السياسي، تفقد الدولة تدريجيًا هيبتها وقدرتها على فرض إرادتها. ومع استمرار هذا النهج، تتحول مؤسسات الدولة إلى هياكل شكلية، تُقيَّد حركتها باتفاقات ظرفية وتفاهمات جزئية، بينما تغيب عنها الرؤية الشاملة التي تمثل روح أي جهاز حكومي فعال.
هذه الفوضى المؤسسية لها ثمن باهظ اقتصاد يتجه نحو الهشاشة، موارد تُستنزف بلا إدارة، مجتمع يزداد فقرًا وقلقًا، وفجوة ثقة تتسع بين المواطنين والدولة وميليشيا الحوثي لايوجد من يواجهها ويستعيد الدولة من قبضتهم.
وسط هذه المعادلة المعقدة، تتولد أسئلة ملحة أصبحت جزءًا من وعي الناس اليومي إلى أين تمضي البلاد وسط هذا التراجع؟ هل هناك مشروع واضح يُعالج العمق لا السطح؟ من يمتلك الجرأة للخروج من دائرة التردد والانتظار؟ وهل تستطيع القوى السياسية مواجهة الحقائق بدل الالتفاف حولها؟ المشهد الراهن لا يحتمل رفاهية التأجيل.
فالغلاء يضغط على حياة المواطنين بشكل غير مسبوق، والفراغ السياسي يزيد الحيرة، والاقتصاد يبتلع ما تبقى من قدرة الناس على الاحتمال. ومع كل يوم يمضي بلا رؤية واضحة، تتضاعف خسائر البلد الممزق أصلًا بالصراعات والتباينات.
لا يمكن إنكار أن البيئة السياسية اليمنية تتحرك وسط شبكة معقدة من التأثيرات الإقليمية والدولية.
هذه الضغوط بمختلف مستوياتها تترك أثرًا مباشرًا على القرار الوطني. لكن، وبالرغم من ذلك، يبقى واجب القيادات اليمنية واضحًا تحديد اتجاه الدولة، وصياغة مسار يعبر عن مصالح الشعب قبل أي توازنات لحظية.
الناس لا تحتاج إلى تبريرات… بل إلى رؤية. ولا تنتظر صفقات… بل مشروع دولة. ولا تريد أن تبقى رهينة لصمت طويل أو قرارات مؤجلة لا تحمي حقوقها ولا تصون مستقبلها. يكشف التاريخ دائمًا أن الفترات الفاصلة في عمر الدول لا يصنعها المترددون. وأن الفراغ السياسي إذا طال، ستملؤه قوى أخرى محلية كانت أو خارجية بطريقتها وشروطها.
ومن يمتلك قرار اليوم، هو من يحدد شكل الغد. اليمن اليوم لا ينقصه الكفاءات ولا الخبرات ولا الوعي بحجم التحديات، لكنه ينقصه قرار جريء، وقيادة تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام بدل الدوران في مساحة الانتظار.
لأن اللحظة تتطلب وضوحًا لا غموضًا، ورؤية لا مساومات، ومشروعًا لا إدارة أزمة مؤقتة.
إن غياب الرؤية ليس مجرد خلل سياسي… بل هو الخطر الأكبر الذي يهدد بقاء الدولة نفسها. ويبقى السؤال المهم والأهم إلى متى يستمر هذا الغياب… ومتى يبدأ مشروع الدولة؟