أحياناً يختبئ خلف الإفراط في التعقّل خوفٌ مقنّع، وجُبنٌ يتوارى وراء ستار الحكمة. فمنذ عام 2004 ونحن نتمسك بالعقل حتى لا نمنح الأعداء فرصة للنيل من الوطن. سقطت المديريات، وفُجّرت المساجد والمدارس والمنازل من صعدة حتى صنعاء… بينما بقينا نرفع شعار العقل والتعقّل.
سقطت العاصمة صنعاء، وانتقلت المعركة إلى تعز، ثم إلى عدن، ومع ذلك واصلنا التمسك بالعقل. شُرِّدت الدولة، وتحمّل الشباب عبء التحرير فسكبوا دماءهم حتى انتصرت عدن، ثم جاءت المليشيات لتحل محل المقاومة، فعُدنا مجدداً إلى دائرة التعقّل.
استُفرد بقادة المقاومة واحداً تلو الآخر، وتعرّضت الدولة لانقلاب في عدن بدعم من التحالف، ومُنِع الرئيس من العودة، ومع ذلك ظل العقل عنوان موقفنا. سيطروا على عدن وأبين ولحج وشبوة، وأُوقفت معارك التحرير نحو صنعاء، وحوصِر الجيش وقُطعت رواتبه… ونحن ما زلنا أسرى لمفهوم العقل.
قُتل 300 ضابط وجندي على أبواب عدن؛ ترحّمنا عليهم، ثم رجعنا إلى ميدان “التعقّل”. سُحبت منا الصلاحيات، وانقُلب على الرئيس ونائبه، وهُنْدس مجلس قيادة معطّل، وجدّدنا تمسّكنا بالعقل. سُلبت الإرادة، ونهبت الموارد، وتُرك الجرحى على الأرصفة وأسر الشهداء بلا رواتب… وما زلنا نصر على العقل.
اليوم تُحشد القوى للإجهاز على ما تبقى من الشرعية ومؤسسات الدولة في سيئون ومأرب وتعز، وسيئون مهددة بالسقوط، وتبعات ذلك ستكون كارثية، ومع ذلك ما زال “أصحاب العقل” متمسّكين بالعقل.
سيطر المتهورون على البلاد من صعدة حتى المهرة، بينما لم نسيطر نحن إلا على شعار العقل. وبأدوات هذا العقل خسرنا كل شيء… حتى العقل ذاته. ولو تأملنا لوجدناه أحياناً مجرد غطاء للخوف.
أي عقل هذا الذي يقودنا إلى خسارة كل شيء، ونحسب الخسارة انتصاراً والبقاء سعادة؟
يا ناس… قليلاً من الجرأة، قليلاً من الشجاعة، حتى نعود إلى العقل الحقيقي—العقل الذي لا يخاف، ولا يبرر العجز، بل يقود إلى استعادة الدولة وتصحيح مسار المعركة.
قليلاً من “الجنون الجميل”—الجنون بمعنى الاندفاع المسؤول، والشجاعة الواعية—فقد هرمنا اثنين وعشرين عاماً ونحن ننتظر لحظة توازن تعيد للوطن هيبته، وللدولة مكانتها، وللجيش اعتباره، وللمعركة الوطنية معناها.
قليلاً… فقط قليلاً من ذلك الجنون الذي يعيد الحياة لمسار العقل السليم.
فلنخرج من دائرة التردّد، ولنستعد شجاعة القرار. فالأوطان لا تُستعاد بالتفرّج، ولا تُبنى بالخوف، بل بعقلٍ شجاع وإرادةٍ حرة تعرف متى يكون التعقّل حكمة… ومتى تصبح الجرأة واجباً ..