في 2023 حضر وفد من جمهورية أوزبكستان برئاسة نائب وزير الخارجية بخروم ألويف، إلى مقر منظمة اليونسكو، في باريس لتقديم طلب رسمي، لإدارة المنظمة، باستضافة مدينة سمرقند الأوزبكية لاجتماعات المؤتمر العام لليونسكو لهذا العام، طلب المسؤول الأوزبكي كذلك دعم المجموعة العربية في اليونسكو. كان اليمن حينها رئيس المجموعة العربية التي دعمت الطلب الذي أقرته المنظمة، خلال مؤتمرها العام للعام 2023.
قلت للسفير الأوزبكي لدى اليونسكو موخاروف كمول إن لمدينة سمرقند رمزية كبيرة لدى العرب، لما تمثله من إرث حضاري، ولكثرة من عاش أو مر بها من رموز عظيمة في التاريخ العربي الإسلامي. والمدينة تحوي قبر الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، جامع الحديث، والإمام محمد بن محمد الماتريدي، مؤسس المدرسة الماتريدية في الفكر والاعتقاد، وقد كانت المدينة عاصمة بلاد ما وراء النهر لأزمنة طويلة متفاوتة، وكتب عنها أمين معلوف رائعته «سمرقند» التي تدور أحداثها حول سيرة وأشعار الشاعر والفيلسوف عمر الخيام.
وصلنا عاصمة تيمور لانك، أو الأمير تيمور، كما يسميه أهل سمرقند، حيث كان الجو معتدلاً، إلا في بعض الأيام الباردة المطيرة، وانعقد المؤتمر العام لليونسكو في الفترة من 30 تشرين أول/أكتوبر حتى 13 تشرين الثاني/نوفمبر، في المدينة التي قال أمين معلوف إنها «أجمل وجه أدارته الأرض جهة الشمس».
كانت دورة انعقاد المؤتمر العام في سمرقند من أنجح الدورات على مستوى التنظيم والانضباط، وكانت سمرقند مدهشة في الحضور الكثيف لمستويات أوزبكستان السياسية والأمنية والثقافية، وكان خطاب رئيس الجمهورية شوكت ميرضياييف في غاية الإتقان، وهو يتحدث عن سياسات بلاده في أن تكون ملتقى حضارات وثقافات، كما كانت سمرقند من قبل ملتقى طرق التجارة القديمة، وموئل واحدة من أهم نقاط التلاقي الحضاري والثقافي في آسيا الوسطى.
ما هي حكاية سمرقند؟
ذكر الطبري في «تأريخ الرسل والملوك»، والبلاذري في «فتوح البلدان» أن جيش المسلمين بقيادة قتيبة بن مسلم الباهلي هاجم سمرقند وفتحها عنوة، دون أن يتفاوض مع أهلها، للتوصل لحل، وأن أهلها أرسلوا إلى الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز يشتكون أن قتيبة هجم على مدينتهم، دون سابق إنذار، فأرسل عمر إلى قاضي المسلمين في المدينة أن احكم بين قتيبة وأهل سمرقند، وكانت المفاجأة أن حكم القاضي المسلم ضد قائد الجيش، وأمره بالانسحاب، وإخراج كل من دخل المدينة من المسلمين، لأن قتيبة لم يترك لأهالي سمرقند الفرصة، ليتفاوضوا مع المسلمين، حول مصير المدينة.
وبعد أن تم تنفيذ الحكم، دهش أهل المدينة، إذ كانت هذه هي المرة الأولى التي ينسحب فيها الجيش المنتصر تنفيذاً، لحكم قضائي، فما كان منهم إلا أن خرجوا إلى قتيبة، وسلموه مفاتيح مدينتهم التي انضمت طوعاً للدولة الأموية، ومن يومها تأهبت المدينة، لتكون مركز الحضارة العربية الإسلامية في بلاد ما وراء النهر، حيث تقاسمت السباق العلمي والحضاري مع شقيقتها بخارى، عدا عن أن سمرقند كانت ملتقى طرق الحرير التجارية القديمة، ومدينة مركزية لدول وامبراطوريات متعددة، من الأمويين إلى العباسيين إلى المغول والتيموريين والسامانيين إلى الروس والسوفييت، إلى أن أخذت أزبكستان استقلالها عام 1992، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
أما شعب أوزبكستان فهو شعب مسلم ينتمي إجمالاً إلى مجموعة الشعوب التركية، ولغته هي إحدى اللغات التركية، وهي كغيرها من لغات الشعوب المسلمة تحفل بعدد كبير من المفردات العربية، حين كانت حواضر هذا الشعب في سمرقند وبخارى تقرأ وتكتب وتفكر باللغة العربية، والأوزبكي يقول: «رهمت/رحمة» إذا أراد أن يقول شكراً، مع تحوير دلالي انتقلت بموجبه مفردة «رحمة» إلى معاني الشكر والعرفان، فيما تترجم المفردة العربية «رحمة» إلى «شفقت» في لغة الأوزبك.
والمفردات العربية التي اندمجت ضمن بنية النسيج اللغوي الأوزبكي كثيرة، وهي تجسد شواهد لغوية على تاريخ مشترك، تجمعت فيه عدة عوامل دينية وثقافية ولغوية وسياسية، أسهمت في صياغة المشتركات الحضارية بين وسط آسيا – من جهة – ومناطق الجزيرة العربية وشمال أفريقيا، من جهة أخرى، حين كان التاريخ يراوح بين مراكز الحضارة العربية الإسلامية المختلفة، في آسيا وأفريقيا، وامتدادات تلك الحضارة في البلقان والبر الأندلسي، في القرون الخوالي.
وفوق ذلك، تؤكد كثير من الدراسات اللغوية العربية والسوفييتية وجود أقليات عربية لا تزال إلى اليوم تعيش في بعض القرى الأوزبكية، حيث لا يزال بعض سكان تلك القرى يتكلمون بلهجات عربية، أقرب ما تكون للهجة عرب الجزيرة الفراتية.
والعربي الذي يحط الرحال في جمهورية أوزبكستان لا يشعر بفوارق اللغة والعرق، بل يسير في تاريخ هو تاريخه، وتطالعه آثار عظيمة من المدارس والمساجد والقصور، تحمل أسماء أعلام شكلت ثقافته، حتى ليخيل لمن يزور سمرقند أو بخارى أنه يتجول مع البخاري والبيروني والماتريدي والخوارزمي، وغيرهم من أعلام قرأنا عنهم الكثير، كتبوا وأبدعوا في إطار حضارة كانت العربية لغتها الأولى، وتطالعنا في ميدان «ريجستان» ثلاث مدارس، كانت مراكز إشعاع حضاري جمعت علماء من مختلف اللغات والأجناس، ناهيك عن عدد كبير من المخطوطات التي كتبت باللغة العربية، لأعلام في الفكر والفلسفة والرياضيات والطب وغيرها من العلوم.
وبما أن التاريخ كان يراوح مساراته بين سمرقند وبخارى من جهة، وحواضر العرب في دمشق وبغداد والقاهرة والقيروان وغيرها، فإن هذا الخط التاريخي يمكن أن يعاد الاستثمار فيه عربياً، بمزيد من الانفتاح العربي على بلدان آسيا الوسطى التركية التي يمكن أن يكون الانفتاح عليها بوابة لتجديد علاقات تجارية وثقافية وسياسية ذات أبعاد تاريخية، وهي علاقات يمكن أن تفتح المجال لمزيد من الفرص التي تخدم شعوب المنطقة، مع التركيز على المشتركات الثقافية والتاريخية التي جمعت تلك الشعوب، ضمن إطار حضاري متجانس، في تلك الرقعة الجغرافية الممتدة من سهوب آسيا الوسطى إلى شمال أفريقيا، مروراً بالجزيرة العربية، لتجاوز قرون من الانقطاع الثقافي بين شعوب تلك البلدان.
عادت إلى باريس الوفود الدبلوماسية لأكثر من 190 دولة شاركت في مؤتمر سمرقند، وعلى ألسنة الكثيرين عبارة ترددت كثيراً، تنم عن تقدير وإعجاب كبير بهذا البلد العريق، وهذه المدينة العتيقة، وهذا الشعب الطموح، وكثير من الألسنة تردد: شكراً سمرقند، «رهمت» أوزبكستان.
* القدس العربي