كان عمود سلطة الرئيس وهيبته، في كل مراحل الدولة اليمنية، يرتكز على المؤسسة العسكرية والأمنية أولًا، ثم على السلطتين التشريعية والتنفيذية. وكلما تآكل هذا العمود، تآكلت معه شرعية الرئيس وقيمته السياسية.
وبالنظر إلى هذا المعيار، فإن تخلي الدكتور رشاد العليمي عن الجيش، ثم سقوط المنطقة العسكرية الأولى، لم يكن مجرد حدث عسكري، بل كان سقوطًا رمزيًا لوزنه السياسي في منصبه، ونسفًا لما تبقى من هيبة الرئاسة.
وجود العليمي في عدن لم يكن وجود رئيس يمارس سلطته، بل كان أقرب إلى رئيس مُقيّد أو مُختطَف — إذا أحسنا الظن — في ظل سيطرة المجلس الانتقالي على المشهد الأمني، واعتبار عدن ساحة نفوذ أحادي لا مكان فيها لقرار مستقل.
وقد جاءت مغادرته عدن نتيجة تدخل سعودي مباشر منع المجلس الانتقالي من فرض الإقامة الجبرية عليه داخل “فلته” المحاصرة بحراسة الانتقالي. كان عيدروس الزبيدي يحاول إعادة إنتاج مشهد احتجاز ميليشيات الحوثي للرئيس عبدربه منصور هادي، وفرض القرارات عليه بالقوة.
غادر العليمي “المعاشيق”، ولم يعد أحد يعتقد أنه سيعود إليها. وبعد مغادرته، جرى إخراج كامل طاقمه، خصوصًا المنتمين للشمال، في إشارة واضحة لرؤية الانتقالي الذي بات يعتبر نفسه “الرئيس الفعلي غير المعترف به رسميًا”.
على الصعيد العسكري، الكفة اليوم تميل لصالح الزبيدي الذي يسعى لفرض إعادة هيكلة الرئاسة، بينما تدفع الإمارات بقوة لتنصيبه رئيسًا، في مقابل تحفظ سعودي لا يزال قائمًا. لكن الإمارات تدخل الرياض اليوم بثقل عسكري مختلف في اليمن وصاحبة النفوذ الاول، وبندّية أكبر من أي وقت مضى.
ومن حيث المبدأ، فقد ساهم العليمي بنفسه في قرار الإطاحة به عندما قبل العمل ضمن معادلة تنزع منه أدوات القوة، وتُقصيه عن الجيش، وتفرغ الرئاسة من مضمونها الدستوري.
الورقة الأقوى بيد الرياض ومكونات الشرعية، في مواجهة ضغوط أبوظبي، هي إغلاق ملف مجلس القيادة نهائيًا وإسقاط قرار تفويض سلطات الرئيس، تمهيدًا لإعادة فتح ملف الرئاسة والعودة إلى الرئيس عبدربه منصور هادي، بوصفه المسار الوحيد لإعادة شرعية القرار وإصلاح الهيكل الرئاسي.
ولهذا لم يكن مستغربًا أن تبدأ الأحزاب السياسية اليوم مناقشة هذا المسار بجدية، باعتباره المخرج الممكن لإعادة هيكلة الرئاسة واستعادة القرار الوطني المختطف.
بعد مغادرة العليمي عدن، دعت الرياض مجلس القيادة ورئيس وأعضاء الحكومة لاجتماع عاجل. رئيس الحكومة غادر فعلًا، والوزراء سيلتحقون تباعًا. لكن هل ستسمح الإمارات بانعقاد الاجتماع قبل تنسيق مسبق مع الرياض؟
الجواب غالبًا: لا.
ويبقى العامل الحاسم هو الخلاف السعودي الإماراتي. فإذا أرادت الرياض تمرير رؤيتها، فستفرضها مهما كانت التعقيدات. والسؤال الأهم:
ومع كل ذلك، يبقى السؤال الأكثر مرارة وإيلامًا:
ولماذا يستمر صمتها أمام مشهد تتفكك فيه الدولة، وتتساقط الشرعية، ويعاد تشكيل القرار الوطني خارج حدود الوطن؟
لقد وصلت البلاد إلى نقطة مفصلية تتفكك فيها الرئاسة، ويتصاعد نفوذ المليشيات البديلة، ويتحول القرار الوطني إلى سلعة تفاوض في عواصم الإقليم. وما لم تستيقظ النخب السياسية، وتدافع عن ما تبقى من الدولة، وتستعيد القرار من قبضة الوصاية الإقليمية، فإن اليمن مقبل على مرحلة أكثر ظلامًا، تُصادر فيها الشرعية بالكامل، ويُعاد رسم مستقبل البلاد بعيدًا عن إرادة شعبها وقواها الوطنية !!