في الوقت الذي يعيش فيه اليمن أخطر أوقاته السياسية والعسكرية منذ سنوات، وبدلًا من أن تختار قيادة الشرعية الوضوح والشفافية ومصارحة الشعب، اختارت الصمت الذليل أمام ما يحدث في حضرموت والمهرة من تحركات فوضوية تهدد بنسف ما تبقى من مشروع الدولة الشكلي، وتفتح الباب واسعًا أمام الفوضى وتوسع الإرهاب الذي تمارسه الكيانات الخارجة عن وزارتي الدفاع والداخلية.
ما يجري اليوم في حضرموت والمهرة ليس مجرد خلاف سياسي أو بحثًا عن حقوق الجنوب والجنوبيين، بل محاولة مكتملة الأركان لإعادة إنتاج الانقلابات وتمدد نفوذ قوى محسوبة على مشاريع خارج إطار الدولة، وهذا تمامًا ما يخدم مشروع إيران الحوثي والتنظيمات الإرهابية المتخادمة معه من القاعدة وداعش.
أحداث تعصف بما تبقى من أمل في الاستقرار لهذا الشعب وفرض سيادة الدولة، بينما الشرعية الرسمية تكتفي بالتفرج والمشاهدة من خلف ستائر نوافذ إقامتها كالعجائز المرضى، وكذلك بإطلاق بعض التصريحات بالجمل المطاطة والإنشائية التي لا تسمن ولا توقف الخطر.
أحداث حضرموت والمهرة ليست عابرة، ليست مجرد تحركات ترتيب أوضاع أو مكافحة إرهاب وخلايا تهريب كما يزعمون، إنما تحركات منظمة تحمل ملامح مشروع يهدد سلطة الدولة ويضرب مشروعية المجلس الرئاسي من جذورها.
والأخطر من ذلك أن هذا التراخي والغموض والمواقف المخزية يمنح عصابة إيران الحوثية الإرهابية فرصة ذهبية لإعادة ترتيب أوراقها وإظهار الشرعية كجسد مترهل ضعيف مريض عاجز عن حماية أطرافه. فكل شبر تفقده الدولة في حضرموت والمهرة هو رصاصة جديدة في قلب مشروع الجمهورية وهدية مجانية لإيران وعبدها الحوثي.
المجلس الرئاسي الذي جاء تحت شعار توحيد الصف وإعادة الاعتبار للدولة ودخول صنعاء سلمًا أو حربًا، فقد البوصلة وأثبت بالبنط العريض فشلًا ذريعا، وبدلًا من أن يدخل صنعاء سلمًا أو حربًا ذهب يدخل حضرموت والمهرة حربًا لا سلمًا، وقبلها شبوة وسقطرى، ولاحقًا يعلم الله أين الوجهة؟
بعد هذه الأحداث، كيف يمكن للشارع أن يثق بقيادة لا تستطيع حماية المحافظات المحررة من عبث الداخل؟ فكيف ستواجه انقلاب المليشيا في صنعاء؟ وكيف ستواجه المشروع الإيراني الخبيث؟ وما هذه إلا الخطوات الأولى لتمكين المشاريع الإرهابية بدل تمكين الدولة من بسط نفوذها.
صمت الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي لا يُقرأ إلا باعتباره عجزًا، تهاونًا، تواطؤًا مع مشاريع تنسف مفهوم الدولة وتفتح أبوابًا خطيرة للتقسيم والتمزيق. والأسوأ من كل ذلك أن هذا الصمت يدفع المواطنين إلى عمق الشك بعدم الجدوى من بقاء الشرعية بشكلها الحالي، ما يشكل خطرًا أكبر على هذه الشرعية.
إن تجاهل مجلس القيادة لما يحدث اليوم ليس فقط خطأ سياسيًا أو مناكفة حزبية، بل جريمة بحق مستقبل اليمن. وإذا لم تتحرك قيادة الشرعية الآن وبسرعة لاستعادة الهيبة وزمام الأمور، فإن التاريخ سيسجل أن المجلس الرئاسي لم يسقط بسبب خصومه، بل بسبب ضعفه أو ما يعتبره البعض خيانة للدستور والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية.