في مشهدٍ صادم ومخز، أن يذهب سلطان البركاني، رئيس مجلس النواب، لمصافحة عيدروس الزبيدي، الرجل الذي يعلن تمرده على الشرعية الدستورية ويتنصل من توافقات اليمنيين، وكأن شيئا لم يكن..
مشهد لا يمكن قراءته إلا بوصفه انكسارا فاضحا لهيبة البرلمان، وتنازلا مجانيا عن جوهر المهمة التي أنيطت برئيسه: حماية الشرعية الدستورية وصون الإرادة الوطنية، لا تمييعها ولا مقايضتها على حساب إرادة الناس وتضحيات الأجيال التي ناضلت منذ أربعينيات القرن الماضي..
ما الذي بقي من معنى المنصب إذا كان رئيس مجلس النواب، وهو رأس السلطة التشريعية، يشرعن بيده ما يفترض به أن يواجهه بنص الدستور وقوة الموقف؟ كيف نفهم هذا السلوك إلا باعتباره خلطا متعمدا للأوراق، وتواطؤا سياسيا يساوي بين الشرعية ومن ينقلب عليها؟ هنا يحق لليمنيين أن يتساءلوا بمرارة: من هو المتمرد حقا؟ أهو عيدروس الزبيدي الذي يعلن موقفه بوضوح، أم رئيس المجلس الذي يفترض به أن يكون خط الدفاع الأول عن الدولة فإذا به يفتح الأبواب لمن يقوضها؟.
إن المقابلة ليست تفصيلا عابرا، بل رسالة سياسية كاملة الدلالة، رسالة تقول إن الانقلاب على التوافقات يمكن تطبيعه، وإن التمرد يمكن مكافأته، وإن الشرعية قابلة للتجزئة والمساومة، وهذا أخطر ما في المشهد: أن تتحول أعلى مؤسسة تشريعية إلى شاهد زور، أو إلى مظلة لتبييض التمرد تحت لافتة “الواقعية السياسية”..
ثم أين هي الكتل البرلمانية؟ أين الأحزاب التي طالما ملأت الدنيا خطابا عن الدولة والشرعية والجمهورية؟ أين مواقفها حين يفرغ البرلمان من محتواه ويختزل دوره في صور ومصافحات؟ صمتها اليوم ليس حيادا، بل شراكة في الانحدار، وتخل فاضح عن المسؤولية الوطنية، فالبرلمان ليس ملكا لرئيسه، ولا منصة علاقات عامة، بل مؤسسة تمثل الشعب، والشعب لم يمنح تفويضا للتطبيع مع الخروج على الدستور..
إن ما جرى ليس خطأ شخصيا، بل تعبير عن أزمة عميقة في فهم الدور والمسؤولية، وإذا كان رئيس مجلس النواب لا يرى بأسا في مصافحة التمرد، فكيف نطالبه بمحاسبته؟ وإذا صمتت الكتل الحزبية اليوم، فبأي وجه ستتحدث غدا عن الدولة والشرعية؟.
هذه لحظة مكاشفة لا تحتمل التجميل. إما أن يستعيد البرلمان هيبته ويصحح رئيسه هذا الانزلاق الخطير بموقف واضح لا لبس فيه، وإما أن نقر بأن البركاني يتاجر بالبرلمان ويحوله إلى غطاء للمتمردين والخارجين على الدستور والقانون ويجب محاكمته بتهمة الخيانة العظمى ووضعه والزبيدي في مرتبة واحدة وجب مساءلتهما وعلى الكتل البرلمانية أن تتخذ قرارا في ذلك ..