أصبح من الضروري الاعتراف بحقيقة قائمة، كمدخل أساسي للتعامل معها بمسؤولية وطنية، وهي أن المحافظات الجنوبية باتت خاضعة لسيطرة فعلية تمارسها دولة الإمارات عبر أدوات محلية. وعلى هذا الأساس، ينبغي أن يُبنى موقف مجلس القيادة الرئاسي ومؤسسات الدولة عند التعاطي مع التطورات والمتغيرات الراهنة.
لقد كانت المؤشرات المبكرة تنذر بعمل عسكري يستهدف محافظتي حضرموت والمهرة، إلا أن التعاطي الرسمي مع تلك المؤشرات اتسم بقدر كبير من اللامبالاة وغياب المسؤولية، وهو ما أفضى إلى النتائج التي نشهدها اليوم على الأرض.
إن المسؤولية المباشرة عما تعرض له أفراد الجيش من قتلى وجرحى وأسرى ومختطفين في سيئون ومديريات الوادي والصحراء والمهرة تتحملها دولة الإمارات، بوصفها الطرف الداعم والمشرف على هذه التحركات. كما يدرك الجميع، دون استثناء، أن ما يسمى بالمجلس الانتقالي الجنوبي لا يمتلك قرارًا مستقلًا، وإنما يعمل كأداة تنفيذية للسياسات الإماراتية.
وبناءً على ذلك، فإن الاكتفاء بوصف ما يجري بأنه “تحركات أحادية” هو توصيف قاصر ومضلل، لأنه يعفي دولة الإمارات من مسؤوليتها القانونية والسياسية عن الانتهاكات الجسيمة التي تُمارس بحق أبناء المحافظات الجنوبية وكل من يقيم فيها. المطلوب هو موقف واضح وصريح من رئيس مجلس القيادة والحكومة ومجلسي النواب والشورى، يتضمن إدانة صريحة لهذا الاحتلال وما يترتب عليه من انتهاكات.
إن ما نعيشه اليوم هو نتيجة مباشرة للتنازل عن حقوق ودماء أكثر من ثلاثمائة ضابط وجندي سقطوا جراء استهدافهم بالطيران الإماراتي في منطقة العلم على مشارف عدن، فضلًا عن المئات من الجرحى. فقد كان التوجه الرسمي آنذاك يميل إلى قطع العلاقات بشكل كامل مع دولة الإمارات، غير أن تدخلات سياسية حالت دون ذلك، وقادت إلى طيّ الملف والتفريط بدماء الشهداء.
إن القضايا السيادية المصيرية، التي تمس مستقبل الدولة اليمنية ووحدة شعبها، لا يجوز إخضاعها لحسابات المجاملات السياسية أو المساومات الظرفية. فنحن اليوم أمام واقع جديد وتحول خطير يفرض علينا إعادة صياغة مواقفنا وتوصيفاتنا، والانطلاق من رؤية وطنية واقعية تخدم مصلحة اليمن العليا، وتسهم في استعادة الدولة وتحرير الأرض من كل أشكال الاحتلال، سواء كان إيرانيًا أو إماراتيًا.