تتسارع التطورات داخل المشهد اليمني بصورة مقلقة، وسط محاولات محمومة لإعادة إنتاج لحظة سبتمبر 2014، ولكن هذه المرة بواجهات جديدة وأدوات مختلفة، بينما الجوهر واحد: ضرب الدولة من داخلها، وتمزيق ما تبقى من بنيتها السياسية والعسكرية.
تفيد معطيات متقاطعة أن أعضاء في مجلس القيادة الرئاسي، إلى جانب رئيس مجلس الشورى، يعملون على إقناع الرئيس رشاد العليمي بتقديم استقالة المجلس إلى الرئيس عبدربه منصور هادي.
وفي المقابل، تلوّح دولة الإمارات – في حال انهيار المجلس أو استقالة العليمي – بدعم سيناريو تنصيب رئيس مجلس النواب رئيسًا للجمهورية، في خطوة لا يمكن فصلها عن مساعي إعادة هندسة الشرعية بما يخدم موازين النفوذ الإقليمي.
في السياق ذاته، تشهد الأحزاب السياسية انقسامًا خطيرًا يكاد يتطابق مع انقسام عام 2014 قبيل سقوط صنعاء.
الاشتراكي، والناصري، واتحاد القوى الشعبية، ومجلس مقاومة طارق، مع فصيل من المؤتمر الشعبي العام، يصطفون اليوم – بشكل مباشر أو موارب – مع تمرد عيدروس الزبيدي واستيلائه على حضرموت والمهرة.
•• هذا المشهد ليس جديدًا… لقد رأيناه من قبل.
قبل سقوط صنعاء بأشهر، حذّرنا الرئيس الراحل علي عبدالله صالح وأبناء أخيه طارق وعمار من أن تحالفهم مع مليشيات الحوثي الإرهابية سيكون تحالفًا انتحاريًا، وأن الحوثي بعد أن يتمكن لن يُبقي حليفًا، وأن رأس الزعيم نفسه سيكون هدفًا.
جاء الرد حينها على لسان عمار صالح بجملة تختصر عقلية الانتقام الأعمى:
"سبحان الحوثي الذي جعلكم تعودون إلينا."
واليوم، ومع تكرار المشهد ذاته، نقولها بوضوح لطارق وعمار ومن يسير في فلكهم:
اصطفافكم اليوم مع تمرد المجلس الانتقالي لن ينتهي إلا بالخسارة.
سيتم بيعكم عند أول منعطف، عندما تصبحون عبئًا على “استقرار الجنوب”، وستكونون ضحايا تفاهمات قذرة بين عدن الانتقالية وصنعاء الحوثية.
أما ورقة “الإخوان” التي تستخدمونها لتسويق أنفسكم للإمارات، فستتحول قريبًا إلى ورقة فارغة، كما تحولت أوراق كثيرة قبلها.
لقد فتحت لكم الشرعية – رغم كل الجراح – أبوابها، ومنحتكم فرصًا متتالية لتكونوا جزءًا من مشروع وطني لتحرير اليمن من الانقلاب الإيراني.
تجاوزت عن جراح عميقة، وسمحت ببقائكم في الساحل الغربي، لا ضعفًا، بل رهانًا على أن تكونوا إضافة لمعركة التحرير بعد أحداث 2017.
لكن ما تبيّن لاحقًا أن حقدكم على الدولة والشرعية تجاوز حتى حقدكم على قتلة الزعيم.
جربتم التحالف مع الحوثي وإيران لإسقاط الشرعية وحزب الإصلاح وشباب الثورة… فكانت النتيجة كارثية.
واليوم، تجرّبون التحالف مع التمرد الانتقالي والإمارات لإسقاط ما تبقى من الشرعية… وبإذن الله ستكون النتيجة ذاتها: خسران مبين.
ومع كل ما سبق، نأمل إدراك أهمية توحيد الصف الوطني بدل بعثرته، وتقوية مؤسسات الشرعية بدل إضعافها، ودمج جميع الوحدات المسلحة تحت سلطة وزارتي الدفاع والداخلية.
•• الشرعية الضعيفة… آخر جدار الدولة
رغم كل ما أصاب الشرعية من إنهاك وتفكيك وتدخلات أضعفت قرارها، تبقى الشرعية – بكل عيوبها وضعفها – الإطار الوطني الأخير الجامع.
سقوطها لا يعني إصلاح البديل، بل يعني فتح اليمن على فراغ شامل تملؤه المليشيات، وتُدار فيه البلاد بالوكالة، وتُغلق فيه أي فرصة لاستعادة الدولة.
الفارق الجوهري بيننا وبين من يتنقلون بين التحالفات أننا نقاتل من اجل الدفاع عن قداسة الدين بعقيدة راسخة وولاء لتراب هذا الوطن وقضيته الواضحة:
تحرير اليمن من الاحتلال الإيراني، واستعادة الدولة، دون مشاريع جانبية أو صفقات مشبوهة.
نضع أرواحنا على أكفنا إيمانًا بأن عقيدتنا وديننا والوطن تُستحق من اجلهم التضحية، وأن معركتنا واحدة، واتجاه بنادقنا واحد: صنعاء… حيث تتمركز مليشيات الإرهاب الحوثية.
لسنا دعاة فتن، لكننا لسنا ضعفاء أمامها.
وإن فُرضت المعارك الجانبية، فلن نكون وقودها، بل سنحرق الفتنة ونقطع دابرها.
ما نرجوه اليوم أن يحتكم من بقي لديه ذرة عقل إلى مصلحة الوطن،
وأن تُغلق غرف إنتاج الفوضى،
وأن تتجه البنادق – ومعها القرارات – نحو العدو الأوحد.
اليمن لا يحتمل سبتمبرًا جديدًا…
ومن لم يتعلم من الدم، سيتعلم من السقوط ..
والنصر للجمهورية اليمنية بإذن الله تعالى ولتبقى رايتها خفاقة في كل ربوع الوطن ..