;
مجيب الحميدي
مجيب الحميدي

شرعنة الاغتيال بالوصم: حين يتحول الخلاف السياسي إلى فتوى قتل 509

2025-12-22 09:43:38

مع تصاعد المخاطر التي تهدد المشروع الوطني اليمني، بات واضحاً أن الأحزاب السياسية الوطنية تمثل اليوم أحد آخر الحصون المتبقية لفكرة الدولة الوطنية. وتفرض هذه اللحظة التاريخية على تلك الأحزاب مسؤولية مضاعفة، لا تقتصر على الدفاع عن وجودها، بل تمتد إلى تفعيل قنوات التواصل والتنسيق فيما بينها، بهدف تحويل كتلتها الوطنية إلى "كتلة تاريخية" قادرة على حماية الثوابت الوطنية، ومواجهة مخاطر جماعات العنف الطائفي، والمشاريع الكهنوتية والعائلية والمناطقية التي تهدد الوحدة الوطنية، والجمهورية، والديمقراطية، وجميع منجزات الحركة الوطنية اليمنية.

والملاحظ في الآونة الأخيرة أن التصعيد العسكري في المحافظات الشرقية يتزامن مع محاولات منهجية لتفخيخ الكتلة الوطنية للأحزاب السياسية، عبر استهداف أكبر هذه الأحزاب وأكثرها حضوراً وتنظيماً، الحزب الذي حافظ على وحدته التنظيمية وانتشاره في معظم محافظات الجمهورية، رغم ما تعرض له من استهداف واسع النطاق، شمل الاغتيالات، والاعتقالات، وتفجير وإحراق ومصادرة مقراته، في صنعاء وعدن وتعز وغيرها، فيما يشبه تصفية سياسية جماعية، في الوقت الذي حافظت فيه بقية الأحزاب على وجودها في صنعاء وعدن وفق شروط تتناقض مع المشروع الوطني.

ويأتي التفجير الذي استهدف مقر حزب الإصلاح في مدينة تعز، الخميس الماضي، وراح ضحيته عدد من قيادات الحزب، ليشير إلى مرحلة جديدة من التصعيد. وهو استهداف يعيد إلى الواجهة سجلّاً طويلاً من الاغتيالات التي طالت قيادات الحزب، من بينها اغتيال أمينه العام السابق قبل سنوات، وعلى مقربة من موقع التفجير الأخير.

الاغتيال الأخطر: شرعنة القتل بالوصم

غير أن الاغتيال الأخطر لا يتمثل فقط في التفجيرات والرصاص، بل في حملة بروباغندا منظمة تسعى إلى وصم الحزب بالإرهاب، بما يوفر الغطاء السياسي والأخلاقي لعمليات الاغتيال والتصفية، وللاستبعاد الاجتماعي والتجريد من حقوق المواطنة.

هذا الوصم الذي يُستخدم بخفة لافتة في الخطاب الإعلامي والسياسي، ليس بريئاً ولا عابراً. فهو يتزامن مع حملات تكفيرية صادرة عن تكوينات عسكرية تتبنى خطاب السلفية التكفيرية، وتستهدف الأحزاب السياسية، خصوصاً المعارضة منها، وتكفّر الديمقراطية والجمهورية، بينما تستثني أنظمة الحكم الفردي. وقد صدرت عن مرجعيات فقهية مرتبطة بهذه التكوينات فتاوى تدعو صراحة إلى قتل فئات واسعة من اليمنيين، وخصوصًا أبناء المناطق الشمالية، دون أن نسمع صوتاً نقدياً واحداً من كثير من الناشطين المنخرطين في حملات شيطنة الأحزاب الوطنية، والذين يتخندق بعضهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مع هذه التكوينات المعادية لثوابت الحركة الوطنية اليمنية.

حين يتحول الوصف إلى فتوى بالاغتيال

حين يُوصَف حزب سياسي أو كيان اجتماعي ينتمي إليه ملايين المواطنين بالإرهاب، فإن الأمر لا يتعلق بتقييم سياسي أو نقد مشروع، بل برفع الحماية القانونية والأخلاقية عن هؤلاء المواطنين، وبإضفاء شرعية رمزية لاستباحة حياتهم وحقوقهم. فالوصم الجماعي بهذا الاتساع يعني عملياً:

تبرير القتل والاغتيالات

نزع صفة المواطنة والحرمان من حقوقها

تسويغ الإقصاء الاجتماعي والسياسي

تغذية خطاب الكراهية والتحريض

وبهذا المعنى، يصبح الوصم مقدمة للعنف، وتمهيداً نفسياً وأخلاقياً لتقبّله، بل والدفاع عنه، بما يهدد السلم الاجتماعي ويفتت ما تبقى من النسيج الوطني.

shape3

الوصم بالإرهاب أخطر أشكال التحريض

التحريض الإعلامي واسع النطاق لا يختلف في جوهره عن الفتوى الدينية، حتى وإن اختلفت اللغة أو المنصة؛ فالنتيجة واحدة: الدعوة إلى التصفية والاستبعاد. وغالباً ما تسبق هذه "الفتاوى الإعلامية" فتاوى دينية تصدر عن مؤسسات سلطوية مسيسة، لتمنح العنف غطاءً شرعياً بعد أن يكون قد مهِّد له خطابياً.

والمفارقة الصادمة أن الدعوة إلى قتل ملايين الناس بهذا التعميم لا نكاد نجدها حتى في أدبيات أكثر التنظيمات الإرهابية توحشاً، ومع ذلك تُمارَس في المجال العام اليمني وكأنها جزء طبيعي من الخصومة السياسية.

حين نفقد المعنى… نغطي الإرهاب الحقيقي

الاستخدام العشوائي لمصطلح "الإرهاب" في سياق النكاية السياسية لا يدمّر الخصومة فحسب، بل يميّع المفهوم ذاته. وحين يصبح كل خصم إرهابياً، يضيع التمييز بين الفكرة والعنف، وبين الرأي والجريمة، وبين الخلاف السياسي والإرهاب الحقيقي.

هذا التمييع يوفر غطاءً خطيراً للتستر على الإرهاب الفعلي، ويحوّل المجال العام إلى ساحة تحريض وشتائم بلا معايير ولا مسؤولية. وفي السياق اليمني، فإن التحريض على قتل أو إقصاء ملايين اليمنيين بسبب انتماءاتهم السياسية أو الاجتماعية قد يرقى، أخلاقياً وقانونياً، إلى تحريض على الإبادة الجماعية.

أخلاق الخلاف في زمن الاستقطاب

شخصياً، وفي ذروة خلافي مع بعض مشايخ الغلو والتشدد، ورغم ما تعرضت له من تشهير واتهامات تنطوي على معنى التكفير، كنت أرفض بشدة وصمهم بالإرهابيين، ما داموا لم يمارسوا العنف ولم يحرّضوا عليه بخطاب صريح. بل دافعت عن بعضهم حين تعرضوا لحملات وصم بالإرهاب.

فرفض وصم الخصوم بالإرهاب، ما لم يمارسوا العنف أو يحرّضوا عليه صراحة، ليس دفاعاً عن أفكارهم، بل دفاع عن الحد الأدنى من العدالة الأخلاقية في المجال العام. فالانزلاق إلى منطق "التكفير السياسي" و"التصفية الرمزية" لا ينتصر للحقيقة، بل يوسّع دائرة الكراهية، ويغرق الجميع في مستنقع فجور الخصومة.

سؤال أخير

هل من العقل، أو الدين، أو الأخلاق، أو الإنسانية، أن نختصر كل خلاف سياسي أو فكري بجملة واحدة: "هذا إرهابي ويجب أن يُقتل"؟

هذا السؤال موجَّه، بالدرجة الأولى، إلى النخب السياسية والإعلامية، لأن مسؤولية الكلمة لا تقل خطورة عن مسؤولية السلاح. فأخطر ما في خطاب الوصم أنه لا يقتل الخصم فقط، بل يقتل السياسة ذاتها، ويُفرغها من معناها الإنساني.

قد يبرر بعض السياسيين الكذب باسم السياسة والمصلحة، لكن السؤال الجوهري الذي يظل مطروحاً: ما حدود هذا الكذب المسموح به، حتى في منطق السياسة الواقعية نفسها، حين يتحول إلى تحريض على القتل والاستبعاد؟

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

سمير عطا الله

2026-05-07 03:41:24

من ديار السعادة

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد