لم يعد خافيًا على أي متابع للمشهد اليمني أن ميليشيا الحوثي والقوات الانفصالية المتمثلة بالمجلس الانتقالي الجنوبي، ورغم اختلاف الشعارات واللافتات، تمثلان في جوهرهما مشروعين متشابهين، بل ومتطابقين في الوسائل والنتائج والأهداف التخريبية.
فكلاهما وُلد من رحم الفوضى، وتغذّى على السلاح، وارتكز على الإقصاء، وازدهر في بيئة القمع، وتحوّل إلى أداة لتنفيذ أجندات خارجية على حساب الدولة اليمنية ووحدتها ومستقبل شعبها.
الميليشيا الحوثية دشّنت انقلابها الدموي عبر اجتياح المدن، وقتل الخصوم، وتفجير المنازل، وإنشاء سجون سرية، وتكميم الإعلام والصحافة، ومصادرة الحياة السياسية، تحت غطاء شعارات دينية زائفة.
وعلى المنوال ذاته، سار المجلس الانتقالي الجنوبي، مستخدمًا القوة العسكرية لفرض أمر واقع انفصالي، وإقصاء مؤسسات الدولة، واعتقال المعارضين، وقمع الأصوات الرافضة لمشروعه، وإدارة الجنوب بعقلية الميليشيا لا بعقلية الدولة.
كلا الطرفين اشتركا في ممارسة الإرهاب المنظم ضد المدنيين، وقطع الطرقات، وتعطيل الموانئ، ونهب الإيرادات العامة، وتجويع المواطنين، وتحويل الأجهزة الأمنية إلى أدوات قمع لا حماية.
لم يعد المواطن في مناطق سيطرتهم شريكًا في الوطن، بل رهينة، إما للصمت أو للسجن أو للتخوين. التحركات الأخيرة للمجلس الانتقالي الجنوبي لا يمكن فصلها عن المشروع الحوثي، مهما حاول قادته التظاهر بالعداء له.
فهي تحركات مكشوفة ومفضوحة تهدف إلى قلب بوصلة المعركة الوطنية، وصرف الأنظار عن العدو الحقيقي المتمثل في الانقلاب الحوثي، وإغراق البلاد في صراعات جانبية عبثية تخدم الحوثي بشكل مباشر، وتمنحه فرصة نادرة لإعادة ترتيب أوراقه العسكرية والسياسية.
بدلًا من الاصطفاف خلف هدف استعادة الدولة، اختار المجلس الانتقالي فتح جبهات داخلية، وضرب مؤسسات الشرعية، وتعطيل عمل الحكومة، وشلّ الاقتصاد، وإفشال أي محاولة لتحسين الخدمات أو توحيد الصف الوطني.
هذه الممارسات لا يمكن وصفها إلا باعتبارها طعنة في ظهر المعركة الوطنية، وخدمة مجانية لمليشيا الحوثي التي لم تكن لتحلم بظروف أفضل من حالة التشظي والانقسام التي يغذيها الانتقالي.
تكمن خطورة تحركات المجلس الانتقالي في أنها لا تستهدف خصمًا، بل تستهدف فكرة الدولة ذاتها. فهي تسعى بشكل ممنهج إلى تفريغ جهود التوافق الوطني من مضمونها، وإجهاض أي مسار إصلاحي أو اقتصادي، عبر خلق أزمات مفتعلة، ومعارك جانبية، وحالات فوضى أمنية، لا تخدم سوى مشاريع صغيرة، لكنها شديدة الخطورة على المصلحة الوطنية العليا.
إن جرّ الجنوب إلى مربع الصدام الداخلي، وتمزيق نسيجه الاجتماعي، وتحويله إلى ساحة صراع نفوذ، لا يختلف في جوهره عما فعله الحوثي في الشمال.
فالنتيجة واحدة دولة منهارة، مجتمع ممزق، واقتصاد منهوب، وقرار وطني مرتهن للخارج. الحوثي والانتقالي ليسا نقيضين، بل وجهان لعملة واحدة الحوثي يرفع شعار “الولاية”، والانتقالي يرفع شعار “الانفصال”، لكن كليهما يؤمن بالحكم بالقوة لا بالتوافق.
الحوثي صادر الدولة باسم السلالة، والانتقالي يصادرها باسم القضية. الحوثي كمّم الأفواه في صنعاء، والانتقالي يفعل الشيء نفسه في عدن. الحوثي يخدم مشروعًا خارجيًا، والانتقالي لا يتحرك إلا ضمن حسابات خارجية. كلاهما يرى في الدولة عدوًا، وفي التعددية خطرًا، وفي الشراكة الوطنية تهديدًا مباشرًا لنفوذه.
لا يمكن تفسير سلوك المجلس الانتقالي إلا بوصفه محاولة انتحارية متعمدة لحرف مسار المعركة الوطنية عن وجهتها الصحيحة، وإعادة توجيهها نحو مسارات مدمرة تتناقض كليًا مع متطلبات المرحلة، ومع تطلعات اليمنيين في استعادة دولتهم، وإنهاء الانقلاب الحوثي، وبناء وطن آمن ومستقر.
إن استمرار هذه السياسات لا يعني سوى إطالة أمد الحرب، وتعميق الجراح، ومنح الإرهاب الحوثي فرصة تاريخية للبقاء والتمدد. فكل رصاصة تُطلق في معركة جانبية، وكل مؤسسة تُعطّل، وكل خلاف يُفجّر، هو انتصار مباشر للحوثي وهزيمة لفكرة اليمن.
اليمن لا يواجه مشروعًا واحدًا، بل مشروعين تخريبيين متكاملين، أحدهما يرتدي عباءة السلالة، والآخر يتخفّى خلف لافتة الانفصال. وكلاهما يعمل على هدم الدولة، وتمزيق المجتمع، واحتكار السلاح والقرار، وإبقاء اليمن رهينة للفوضى. وحدها الدولة، ووحده المشروع الوطني الجامع، القائم على الشراكة والعدالة وسيادة القانون، هو القادر على إسقاط هذه المشاريع، وكشف زيف شعاراتها، وإنهاء زمن الميليشيات، مهما اختلفت أسماؤها وتعددت راياتها.