موقفي من مليشيات الحوثي الإيرانية ليس وليد لحظة، ولا نتاج انفعال سياسي عابر، بل هو موقف مبدئي راسخ لا يقبل المساومة ولا يحتمل الرمادية: لا تحالف مع مليشيات الحوثي تحت أي مبرر، وتحت أي ظرف، وبأي صيغة كانت.
فمن جرّب مشروع المليشيا، لا يمكن أن يراهن عليه، ومن رأى الدولة تُسحق، والهوية تُختطف، والإنسان يُحوّل إلى وقود لمشروع طائفي، يدرك أن التحالف مع هذه الجماعة ليس خطأ سياسيًا فحسب، بل جريمة أخلاقية وتاريخية.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري توجيه أسئلة صريحة ومباشرة إلى من يقدّمون أنفسهم اليوم بوصفهم خصومًا للحوثي، فيما ذاكرتهم السياسية مثقلة بتحالفات موثقة معه:
ألم تكن وفود الحراك الجنوبي حاضرة في صعدة عقب إسقاط صنعاء، مهنّئة زعيم مليشيات الحوثي؟
ألم تُنشأ معسكرات في صعدة لتدريب عناصر من الحراك الجنوبي بإشراف مباشر من الحوثيين؟
ألم تُدار معسكرات مشتركة في الضاحية الجنوبية ببيروت، جمعت الحراك والحوثي تحت مظلة واحدة؟
ألم تُموَّل قنوات إعلامية لخدمة هذا المسار من طهران؟
ألم يكن أول معسكر تدريبي في الضالع للحراك تحت إشراف حزب الله اللبناني؟
هذه ليست اتهامات مرسلة، بل وقائع سياسية موثقة. وعندما سقطت صنعاء، لم يكن الحراك الجنوبي في موقع الرفض، بل في موقع المباركة. ولا مشكلة لدينا في فتح دفاتر الماضي كاملة، لأن الحقيقة لا تخيف إلا من يخشاها.
لقد كان التحالف مع الحوثي خيارًا استراتيجيًا لدى قيادات الحراك منذ تمرد 2004، وكان إعلام الحراك، وفي مقدمته صحيفة الأيام، أحد أبرز الأصوات التي دافعت عن المليشيات الحوثية، وشرعنت تمردها، وقدّمتها بوصفها “حركة مظلومية”، في الوقت الذي كانت فيه تقوّض الدولة وتستبيح المجتمع.
ولم يكن الخلاف مع الحوثي لاحقًا خلافًا مبدئيًا، بل خلاف مصالح مؤقت، لم يدم سوى أشهر، خلال الفترة التي تمددت فيها المليشيات الحوثية، مع حلفائها في المؤتمر الشعبي العام، إلى عدن وبعض المحافظات الجنوبية. وما إن تغيّرت موازين الانتشار، حتى عاد التناغم بأشكال أخرى، أكثر هدوءًا وأشد خطورة.
وحتى في معركة دحر الحوثي من عدن ولحج وأبين، لم يكن الفضل الأول لمن يتصدرون المشهد اليوم، بل لشباب المقاومة الصادقين، ولشباب التجمع اليمني للإصلاح. نعم، حدثت مواجهات في الضالع، ولا يُنكر ذلك، لكن الحقائق لا تُنتقى.
الأخطر من كل ذلك، أنه بعد تحرير عدن، لم يتحول السلاح نحو صنعاء، بل جرى تحويل البوصلة. فتحوّل من يرفعون شعار “التحرير” إلى قوة فصل جغرافي، تحمي خطوط تماس الحوثي، وتُجهض أي مشروع وطني لتحرير الشمال، منذ نهاية 2015 وحتى اليوم، باستثناء دور قوات العمالقة في الحديدة، والذي انتهى بانسحاب غامض، ثبت لاحقًا أنه نتاج تفاهمات سياسية لا علاقة لها بالمعركة الوطنية.
وجوهر الأزمة، في تقديري، أعمق من مجرد تحالفات عابرة. إنها أزمة ثقة في المشروع ذاته. فقيادات المجلس الانتقالي تعاني قناعة دفينة بأن تحرير صنعاء يعني سقوط مشروع الانفصال، ولهذا تحوّلت إلى لاعب رئيسي في إضعاف الشرعية، ومحاربة جيشها، وتعطيل كل مسارات الحسم الوطني.
واليوم، بات واضحًا أن القرار ليس بيد هذه القيادات، بل بيد دولة الإمارات، التي تدير المشهد وفق حسابات نفوذ ومصالح استراتيجية، لا علاقة لها بقضايا الشعوب ولا بتضحياتها. والتاريخ يخبرنا أن القوى الإقليمية لا تصنع دولًا، بل تستخدم أدوات، ثم تتخلى عنها عندما تنتهي صلاحيتها.
ومع كل ما سبق، فإننا لا نكتب بدافع الخصومة، ولا ننطلق من منطق الإلغاء، بل من حرص وطني صادق على مستقبل اليمن، شماله وجنوبه.
إن القضية الجنوبية قضية حقيقية وعادلة في جذورها، وحق إخوتنا في الجنوب في تقرير مصيرهم حق أصيل لا نقاش حوله، ولا يجوز مصادرته أو إنكاره أو القفز عليه بشعارات التخوين.
لكن هذا الحق، كي يكون شرعيًا ومُعبرًا عن إرادة الناس، لا يمكن أن يُمارس تحت فوهة البندقية، ولا في ظل سطوة المليشيات، ولا بإملاءات خارجية.
فإرادة الشعوب لا تُصنع في المعسكرات، ولا تُفرض بالدعم الإقليمي، ولا تُختزل في مجلس مسلح، مهما امتلك من نفوذ أو سلاح.
إن مسار القضية الجنوبية لن يُحل إلا على طاولة الحوار اليمني–اليمني، في إطار سياسي جامع، يضمن شراكة حقيقية، وعدالة انتقالية، وضمانات دستورية، ويُخرج الجنوب من منطق المليشيا إلى أفق الدولة.
أما وهم فرض الانفصال بالقوة، فسيظل وهمًا، مهما بدا اليوم مدعومًا، لأن موازين القوى ليست ثابتة، والتحالفات تتغير، ومن يراهن على الخارج يخسر حين تتبدل أولويات الخارج.
وحدها الحلول السياسية العادلة، النابعة من الداخل، هي التي تصنع مستقبلًا مستقرًا.
أما المليشيات، أيًّا كان شعارها أو داعمها، فلن تنتج إلا مزيدًا من الانقسام، ومزيدًا من الدم، ومزيدًا من الأوهام المؤقتة.