ما حدث تأخر كثيرًا؛ تأخر إلى درجة أننا وصلنا مرحلة نخجل معها عند ذكر اسم الشرعية، رغم أننا نعلم أنها كانت، ولا تزال، آخر حصوننا. تأخر حتى بتنا نتبرم ونشكك ونشكو عند ذكر اسم التحالف العربي.
كنا جميعًا ندرك أن مسار التحالف، بقيادة السعودية والإمارات، انحرف عن هدفه بعد أشهر قليلة. انحرف عند أول قصف طال الجيش الوطني في معسكر بالعبر، وقُتل فيه العشرات، في يوليو من العام 2015.
أتذكر ذلك اليوم جيدًا. كنت هاربًا من صنعاء دون وجهة واضحة. أردت اجتياز الحدود السعودية، ولكن بلا دعوة، ولا فيزا، ولا تأشيرة حكومية. صديق طيب تكفل بإرسال أحدهم إلى المنفذ السعودي ليكفلنا للدخول. وبينما كنا ننتظر، حدث القصف الجوي “الغلط”. جُلب القتلى والجرحى، وأُغلق المنفذ نهائيًا في وجوه الجميع، وظللنا خمسة أيام في العراء.
أرادت السعودية أن تكون في مأمن حين طلب هادي التدخل لوقف الزحف الحوثي/الإيراني على الحد الجنوبي للمملكة. فأخذت بيد جارتها الصغيرة، عديمة الخبرة في التدخلات والنفوذ والدبلوماسية، وقالت لها: تعالي أعينني، وفي الوقت ذاته، تعلمي وادفعي عنك مظلمة الجزر المحتلة من إيران.
تدخلا في اليمن “الشقيق”، ومضيا معًا، بينما كان هناك من يضمر شرًا للآخر. كنت، ولا أزال، أظن أن السعودية، ذات الحضور والخبرة والبال الطويل، كانت تدرك تلك النوايا، لكنها ربما لم ترد شق الصف الخليجي–الخليجي من أجل بلد هامشي اسمه اليمن. لكن سوء التقدير، والتعامل بالطيبة الزائدة، والإنصات للنصائح والتقارير الدولية، كلها قادت –حتى– إلى وصول الحوثي إلى صنعاء.
في البدء كان واضحًا أن هناك سوء تقدير من قبل السعودية، وتفاقم الأمر مع تراجع سمعتها الدولية فيما يتعلق بانتهاكات حرب اليمن، مقابل ضعف أداء رجالات الشرعية، وفساد بعض كائناتها، وتقلباتهم، والضغط الإماراتي لإبعاد قوى ميدانية بعينها، وتصميم وهندسة قوى وشخصيات جديدة داخل معسكر الشرعية كدمى تُحرَّك متى اقتضت الحاجة. كل ذلك جعل هذا العقد الحزين يفضي إلى تقوية الطرف الانقلابي الحوثي، مقابل ما آل إليه وضع التحالف اليوم.
أجزم أن السعودية كانت تعي كل شيء منذ وقت مبكر، لكن راقت لها فكرة تغيير هادي، وإنشاء مجلس رئاسي قد يساهم في حلحلة الأزمة سياسيًا، ويتولى هو المسؤولية القانونية في أي اتفاق سياسي مع الحوثيين.
كانت فرصة الإمارات في هذه الخطوة أكبر، وربما هي من دفعت باتجاهها، واقترحت عدد الأعضاء، ودعمت حضور أربعة من دماها الذين ترعرعوا، ولا يزالون، على خيراتها.
كان مجلس الرئاسة، والشرعية بشكل عام، هو الفرصة التي منحت هؤلاء القيمة؛ منحت المجلس الانتقالي الحضور والمناصب والمحاصصة، ومنحت قائده حضورًا دوليًا يسافر الفعاليات، ويلتقي الزعماء، ويشرح مظلوميته وأهدافه.
حتى طارق صالح مُنح قدرًا من هذا الحضور، رغم أنه كان –ولا يزال– في مخيلة الجميع ذلك الشبل “المتمرد المطيع”، الذي لم ولن يعمل ضد نصيحة عمه: “عليّا وعلى أعدائي”.
وبالعودة إلى فكرة قلة الخبرة السياسية للإمارات، فقد دفعت بكائناتها، في عز حضورهم وحظوتهم وفرصتهم، ليكونوا الطرف الأقوى، للتوسع شرقًا، وممارسة أفعال لا تليق بقوة سياسية تريد بناء دولة تكفل الحقوق والحريات، وتكون حاضنة للجميع.
كان الذهاب إلى حضرموت، بضغط من الممول الذي له حسابات اقتصادية ودبلوماسية أكبر من اليمن وأهله مع الجارة الكبرى، بمثابة الهدية التي قُدمت للسعودية، وللشرعية التي كانت في أوج ضعفها. وهو، في الحقيقة، لم يكن ضعفًا بقدر ما كان تريثًا وتأنيًا وحكمة.
فأنا، تحديدًا، ومع كل خطاب متلفز أو مكتوب للدكتور رشاد العليمي، وهو يؤكد على أهمية دعم الأشقاء، ويقرن اسم المملكة بالإمارات، كنت أدرك أن ثمة إحساسًا بثقل الكلمة. حتى وهو يجامل أشقاءه في مجلس الثمانية، ولا يكاد يتحدث باسمه، كنوع من الإيمان بالشراكة في الخطاب والممارسة.
ومؤخرًا، حتى بيانات السعودية، ومن تضامن معها، التي أفادت بأن إضافة اسم الإمارات عند الحديث عن دعم مساعي التهدئة في حضرموت، تشير إلى مبالغة في التعقل؛ فكيف بمن يشعل أن يُخاطَب بكل تقدير وشكر، ويُطلب منه الإطفاء؟
باختصار، ما جاء في قرارات العليمي أمس كان متوقعًا ومنتظرًا. وإن كان الأمر مرتبطًا بقناعة سعودية تغيّرت تجاه موقف وحضور الإمارات في التحالف، فهو أيضًا يبدو –ولا يزال– كأنه من ترتيب القدر، ليتوقف أخيرًا وجع اليمنيين الممتد لعشر سنوات. لا مع خلافات ومماحكات الشرعية، بل لتوحيد الجبهة، والتخلص أخيرًا من وباء كبير اسمه الحوثي.