التاريخ لا يُزوّر حتى وإن تسللت إلى صفحاته أقلام الدس والتطبيل، وإطراء من لا يستحق، وبخس من يستحق، فإن مكافحة فيروسات التزوير تجلّي الحقيقة وتفضح أقلام التزييف.
فالتاريخ لا يكتبه الإعلام، لكن تكتبه المواقف، وتبقى كلمات الإعلام أشبه بنقوش التجميل التي لا تثبت طويلًا فتتلاشى وتذوب، لتبقى الحقيقة بجمالها الأصيل أو بواقعها الماثل.
لليمنيين حضارة وتاريخ لا يجهله أحد، ولا ينتقص منه منصف: "وأوتيت من كل شيء وله عرش عظيم"، ففي هذا البلد الطيب الكريم "بلدة طيبة ورب غفور" نشأت حضارة لم يمح عظمتها وذكرها الزمن: "لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان".
يكشف لنا التاريخ العقلية اليمنية التي تتعاطى مع الأمور بأدوات الفكر ومعطيات العقل: "وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون"، فغلبت لغة التخاطب والتفاهم علّها تسبر غور تلك الرسالة التي أُلقيت إليها، ولم تقف عند منطق "نحن أولوا قوة وأولو بأس شديد"، فمن هذه الناحية ثمة إعداد، واللجوء إلى هذا الأمر يأتي بعد استنفاد قراءة الواقع. فكانت القراءة الواعية التي لم يكن للعنتريات فيها أثر، رغم ما قدمه المختصون من تقرير: "نحن أولوا قوة".
بقيت هذه الثقافة السلوكية الواعية راسخة في الأجيال المتعاقبة؛ ولذا فقد آمن اليمنيون وتبعوا رسالة الإسلام برسالة، وتقبلوها بيقين الوعي والإدراك، وكان التعاطي نفسه مع: "إني ألقي إلي كتاب كريم"، فحينها قالت بلقيس: "رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين"، وفعل اليمنيون تجاه رسالة الإسلام الفعل نفسه في موقفين: موقف الخزرج الذين قدموا مكة يطلبون تحالفًا يعقدونه ضد بني عمومتهم الأوس، وكلاهما من اليمن، فلقيهم الرسول الأمين (ص) فألقى عليهم رسالته الشفهية، فإذا الوفد (الستة) يقولون: "والله إنه لخير مما أتينا له"، وكانت الهداية التي عمت يثرب، فقال قائلها: "رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع محمد لله رب العالمين"، فأصبحت المدينة المنورة.
وأما من كانوا في اليمن فقد سبق أنهم آمنوا بالرسالة.
لم يقبع اليمنيون في بلادهم، فما هو إلا أن نادى منادي الجهاد والفتوحات، حتى هب اليمانيون بعشرات الألوف يؤمّون جهاته. فكان لهم أثرهم في فتوحات الشام والعراق وما وراء النهر، كما كان في مصر وشمال أفريقيا وحضورهم الفعال في الأندلس.
شارك اليمانيون في الفتوحات، وشاركوا في البناء وتشييد الحضارة في الدولة الإسلامية التي أخذت تتوسع مساحةً وعلمًا وحضارة، كما أخذت توسع آفاق العقول ومدارك الشعوب، وتخاطب بقوة من يقفون في وجه تحرير الشعوب: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!"
وفي مشرق الدولة الإسلامية الواسعة التي ضمت ما بين الصين إلى فرنسا، مضى اليمنيون الحضارم ينشرون الإسلام بمرهفات الأخلاق المرهَفة، فإذا إندونيسيا والفلبين رقعة إسلامية الهوى والهوية.
وددت أن أذكر أسماء رجال الحضارة والعلم والقيادة والحكم والعدل ممن صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فكانوا النجوم الزاهرة امتدوا من إندونيسيا حتى الأندلس، غير أن ذكر بعضهم يبخس البعض الآخر، وأنى لي أن أحصيهم.
هؤلاء هم اليمانيون ممن ناطحت هممهم فتح أقطار العالم بعقيدة وهمم واحدة متحدة، لا بهمم من تقاصرت بهم طموحاتهم فلا نتجاوز عقلية رجال الحارات والحوافي والقرى.
لليمنيين تاريخ ينتظر حاضرهم أن يستلهموا تاريخ ماضيهم بهمم الآباء والأجداد الرفيعة القدر، العالية الهمم المتحدة الصف.