;
سيف محمد الحاضري
سيف محمد الحاضري

العقاب الذي لا يُرى: كيف تُفكك الدول تهديد أمنها القومي .. 396

2026-01-05 09:39:09

السياسة السعودية في تعاملها مع من شكّلوا تهديداً لأمنها القومي لا تُقرأ من ظاهرها فقط.

فبعد إزالة التهديد المباشر، غالباً ما تسلك الرياض مساراً طويلاً يبدو في شكله الخارجي متسامحاً أو متجاوزاً عمّا حدث، لكن هذا “التجاوز” ليس عفواً بقدر ما هو جزء محسوب من العقاب، ينتهي بصاحبه إلى نفق عميق ومظلم، بلا ضجيج ولا استعراض.

سأحكي هنا قصة حقيقية وقعت مع إحدى الشخصيات المدنية التي مارست التضليل طمعاً في المال، وقد نجحت بالفعل في الحصول على تمويل.

shape3

بعد فترة، اكتشف ضباط سعوديون أن هذه الشخصية تعاملت معهم باستخفاف، وقدّمت معلومات مضللة، وكأنها تتعامل مع جهات ساذجة.

تقبّلوا الأمر حينها بابتسامة، بلا انفعال، وبلا رد فعل فوري.

بعد مدة، تواصلوا معه ووجّهوا له دعوة رسمية لزيارة المملكة.

حضر من القاهرة، استُقبل في المطار استقبالاً لائقاً، وأُسكن في أحد أفخم فنادق الرياض.

مرّ الأسبوع الأول… ثم الثاني… فالثالث… حتى الخامس، دون أن يعرف سبب الدعوة.

كلما سأل، قيل له إن “القيادة مشغولة”.

مرّ الأسبوع الثامن، ثم أخيراً اقتيد إلى لقاء مع إحدى الشخصيات الكبيرة المعنية بالملف اليمني.

سُئل مباشرة:

المشروع الذي تقدمت به وأخذت عليه تمويلاً… ماذا أنجزت به؟

حين حاول التبرير وتقديم رواية عمّا أنجزه، فُوجئ بأنهم يسردون له ـ بدقة مذهلة ـ تفاصيل ما فعله بالمبلغ، وكيف صُرف، وأين ذهب، بل وحتى الأكاذيب الجديدة التي حاول الاحتماء بها.

بعد انتهاء اللقاء، طُلب منه إعادة المبلغ.

لم يستطع سوى إعادة ربع ما استلمه، وأقرّ بأن الباقي قد صُرف.

لم يجد مخرجاً سوى التوقيع على كمبيالة ببقية المبلغ.

وقبل مغادرته، أُبلغ بوضوح:

لن تغادر الفندق حتى تقدّم ضماناً لاستعادة المبلغ،

وتكاليف السكن عليك، وليست على الدولة.

كانت أجرة الجناح الذي يقيم فيه 7000 ريال سعودي لليلة الواحدة.

بات الرجل مهدداً بالحبس بسبب تكاليف الفندق، وغير قادر حتى على تغيير سكنه، رغم توسله بكل قيادات “الشرعية” التي يعرفها.

أُجبر على دفع التكاليف كاملة، ثم سُمح له بالمغادرة.

الشاهد من القصة أن سياسة الدول، عندما يتعلّق الأمر بتهديد أمنها القومي، لا تقوم على ردود الفعل السريعة أو الانتقام المباشر، بل على تفكيك التهديد من الداخل.

سياسة براغماتية باردة، تستهدف نزع أدوات القوة، وتجريد الخصم من مصادر النفوذ، حتى يجد نفسه فجأة في واقع مختلف تماماً… بلا أنياب، ولا مخالب، ولا حلفاء.

في قضايا الأمن القومي، لا يوجد شيء اسمه “آسف” أو “نعتذر”.

الاعتذار لا يُقبل إلا إذا جاء في سياق سوء تفاهم بين دول جارة.

أما حين يكون التهديد مصدره مليشيات مسلحة، تعمل كأدوات لأطراف دولية أو محاور إقليمية تستهدف أمن الدولة، فإن الاعتذار الوحيد المقبول هو خطة تفكيك، ونزع سلاح، وإزالة خطر.

وإذا كانت الرياض قد بلغت في علاقتها مع دولة الإمارات العربية المتحدة درجة من التوتر جعلتها مستعدة لتصعيد قد يصل إلى مواجهة مباشرة، لا عبر الوكلاء بل على مستوى القرار،

فهل يُعقل أن تتسامح ببساطة مع أدوات رأت فيها تهديداً مباشراً لأمنها الوطني داخل اليمن؟

أن تجلس في قصر، وأنت تشعر في داخلك أنك قيد الاعتقال…

ذلك بحد ذاته عقاب نفسي قاسٍ، تتراكم آثاره بصمت، ويترك ندوباً عميقة.

ما أستطيع تأكيده أن خطوات الرياض في المرحلة المقبلة لن تكون عشوائية ولا انفعالية،

بل ستتركز على انتزاع أدوات القوة من الأطراف التي استُخدمت لتهديد أمنها الوطني،

بهدوء، وتخطيط، وترتيب، وبكلفة محسوبة…

خصوصاً تلك الأدوات التي جرى تمويلها وتغذيتها بإشراف إماراتي.

الدول لا تنسى من يهدد أمنها، لكنها تختار كيف ومتى ترد.

والرد الحقيقي لا يكون دائماً بصوت المدافع، بل أحياناً بإغلاق النوافذ واحدة تلو الأخرى، حتى يختنق المشروع الذي ظنّ نفسه أكبر من الجغرافيا وأذكى من التاريخ.

في معادلات الأمن القومي، من يُجرَّد من أدواته… يُجرَّد من قدرته على الفعل، وحينها فقط يبدأ الحساب ..

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد